أقول: من ناحية مذهب المتقدمين ومذهب المتأخرين، وهذه الشنشنة التي كثر الكلام حولها، وطلبة العلم لا يكادون يتركون شيئا إلا وقد تلقفوه والتقطوه دون إدراك منهم لحقيقة هذه المقالات، و دون إدراك منهم لمآل هذه المقالات في دعوتهم .. عندما يقال " متقدمون ومتأخرون " و " أن المتأخرين خالفوا مذهب المتقدمين " .. فأنا أقول: لا شك أنه يجب على المتأخر والمعاصر والسابق واللاحق أن يأخذ بطريقة المتقدمين التي بثوها في كتبهم والتي بينوها في المراجع التي وصلت إلينا منهم، ولا يسعنا الخروج عن طريقة المتقدمين؛ لكن .. من أين لنا أو لهؤلاء أن المتأخرين خالفوا المتقدمين؟ أنا الذي أعتقده وأدين الله به أن من يسمون بالمتأخرين كالحافظ ابن حجر والحافظ الذهبي والحافظ العراقي وابن الصلاح والنووي وأمثال هؤلاء .. خدموا مذهب المتقدمين ونصروه وأشادوا به وبينوه وشرحوه ومهدوه وقربوه للناس أحسن بمرات لا توصف بالنسبة لمن جاء بعدهم من طلبة العلم أو بالنسبة للمعاصرين الذين يتكلمون بهذا، هذا الذي أدين الله به، أن المتأخرين خدموا مذهب المتقدمين .. أقول " خدموا " ولا أقول " هدموا " كما يتصور هؤلاء الذين يتكلمون بهذه الكلمة، وأقول إن كل مسألة أصاب فيها هؤلاء القائلون بهذه المقالة أنا أثبتها من كلام المتأخرين .. أنهم سُبقوا إليها، أي مسألة أصابوا فيها، سأثبتها من كلام المتأخرين الذين يعتقدون أنهم قد انسلخوا من مذهب المتقدمين، موجود هذا الكلام في كلام المتأخرين، أي مسألة أصابوا فيها مسبوقون إليها .. هذه الدعوة فقط أوغرت صدور طلبة العلم على العلماء، وأدخلت في صدور طلبة العلم التهوين والتحقير للعلماء، بأن هؤلاء لم يفهموا مذهب المتقدمين، بأن هؤلاء ما عرفوا ولم يتذوقوا ما كان عند المتقدمين .. وهذا افتراء وظلم، عندما يقال في الحافظ ابن حجر والحافظ الذهبي وابن الصلاح وفلان وفلان ما فهموا مذهب المتقدمين، ونحن نراهم يرد بعضهم على بعض بطريقة المتقدمين، فإذا عرف أحدهم تعريفا أورد عليه إيراد واستدل على هذا الإيراد بنص من كلام الأئمة المتقدمين .. ما كان هَمّ المتأخرين التعريفات – كما يقال – إنهم تأثروا بعلم الكلام وأصبح همهم التعريفات حتى سموا كتبهم علم المصطلح، وكان هذا العلم معروفا بعلم معرفة علوم الحديث، والآن أصبح عند الناس معروفا بالمصطلح، لاعتنائهم ولتشبثهم بقضية التعريف، وكأن هؤلاء يعرفون تعريفات لا واقع لها عند المتقدمين، هذا ظلم .. وهذا أقل أحواله جهل حقيقة ما عليه المتقدمون فضلا عن المتأخرين .. المتقدمون الذين نقول نحن ننصر مذهبهم ونقوم به وندافع عنه .. الحقيقة أن الكثير ما فهِم مذهبهم فضلا عن أن يفهم مذهب المتأخرين الذين هم عنده قد أخذوا أو قبضوا بمعاول الهدم ليهدموا هذا الصرح العظيم .. ألا وهو مذهب المتقدمين.
سؤال:
ما هي المسائل التي يتكلم بها كثير من طلبة العلم بأن المتأخرين خالفوا مذهب المتقدمين؟
الجواب:
يقولون: إن المتأخرين ما عندهم سبر للمتون، ما عندهم نقد للمتون؟ أهم شيء عندهم النظر في الأسانيد! سبحان الله! هم قد نصوا بأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن، ما قالوا هذا؟؟ ولا يلزم من ضعف الإسناد ضعف المتن، صرحوا بهذا وقالوه، فكيف يقال إنهم إذا صح عندهم السند .. وكأنه ثقة عن ثقة عن ثقة عن ثقة يساوي صحيح؟؟ ثقة عن ثقة عن صدوق عن ثقة يساوي حسن؟ ما شاء الله! هذا مستوى الحافظ ابن حجر؟؟ هذا مستوى ابن رجب؟ هذا مستوى الأئمة الذين جاءوا بعد ذلك؟ وأكون أنا – الذي لا أبلغ عشر معشارهم – الذي فهمت وأتقنت طريقة المتقدمين؟؟ لا!!
المتأخرون عندهم سبر للمتون، وعندهم نظرة دقيقة للمتن، لكن المتأخر – نظرا – لقلة حصيلته العلمية – إذا سمع حديثا ظن أنه يخالف أصلا، فإذا به يرده، ثم تفحص كلام المتأخرين فلم يجد أحدا رده، إنما اتفقوا على تصحيحه، قال: إذن هؤلاء لا يلتفتون إلى النكارة في المتن، مع أنه لو اتسعت حصيلته وكثر علمه لوجد لهذا المتن شاهدا - لقلة علمه - غاب عنه، فظن أن هذا الحديث يخالف الأصول، ولهذا أمثلة كثيرة .. [من شريط علم الحديث بين المتقدمين والمتأخرين]
وفقكم الله
ـ[ابن عقيل]ــــــــ[19 - صلى الله عليه وسلمug-2007, مساء 12:27]ـ
من نفس الشريط وفيه فوائد تضرب لها أكباد الأبل.
يقول الشيخ مقبل رحمه الله:
المسألة الثانية غير مسألة المتن، الشواهد والمتابعات .. هل الحديث الضعيف يشتد بالضعيف الآخر إذا اختلفت المخارج على الشروط السابقة أم لا؟ قال قائلهم: إن المتقدمين لم يعملوا بذلك، ولم يقولوا بهذا الشرط! سبحان الله! ألم يقل الشافعي في الرسالة إن الحديث المرسل يتقوى بكذا وكذا وكذا .. ، ومنه مرسل آخر مثله إذا اختلفت المخارج، أو موصول ضعيف، أو اتصل بعمل أو بفتوى صحابي، أو بغير ذلك؟ أيقال إن الشافعي ليس من المتقدمين؟ بقي لنا سؤال: ما حدود المتقدمين من المتأخرين؟؟ لكن أنا أتركه للأخير .. طيب .. عندما يقولون الشافعي متساهل ولم يُعرف بالحديث فهذه فرية أخرى، الشافعي أعرف بالحديث وألصق بالحديث منهم، والشافعي ما أخطأ – كما قالوا – إلا في حديث واحد، والشافعي مدحه الإمام أحمد في هذا الشأن، لكن ممكن أن يقولوا: هذا في باب الأصول، وشرط الأصوليين يختلف عن شرط المحدثين، فنقول لهم: مع أن هذا كلام باطل، إلا أن هناك أدلة أخرى، ماذا يقولون في تعريف الترمذي في تعريف الحديث الحسن؟ الترمذي متقدم أم لا؟ ربما يقولون: الترمذي ليس له صلة بهذا العلم، كيف وهو صاحب العلل؟ والترمذي من علماء العلل ومن علماء هذا الشأن، وهو تلميذ الإمام البخاري، الفارس في هذا الميدان، قد يقولون " متساهل "، نقول: لكِنّكم – إذن - تحتاجون إلى قيود في هذا القول، تقولون: هذا ليس معروفا عن مذهب المتقدمين، الذين ليسوا بأصوليين، وليسوا بمتساهلين، وكلما أتينا لكم بمثال، ضعوا له شرطا أو قيدا جديدا في قاعدتكم حتى تسلم لكم القاعدة من الإيراد. أهـ المقصود ولم تنتهي الفوائد
¥