وتدليس الشيوخ، ليس قدحاً في الراوي؛ لأن له أسباباً كثيرة يحمل عليها، ولا نستطيع أن نجزم بقصد الراوي في هذا التدليس، وأقل ما فيه أنه يُوعر الطريق إلى معرفة الشيخ، الذي روى عنه، ولا يميَّز شيخه الذي روى عنه، وبالنسبة لابن جريج مع شيخه إبراهيم، مما ميّزه النقاد وعرفوه، ولم يخفَ ذلك عليهم.

وقد وقع في هذا التدليس، كثير من الأئمة بعضهم من الذين ذموه وحذروا منه، لكن يحمل ذلك منهم، على عدم قصدهم له.

وقد وقع في ذلك الخطيب البغدادي، وهو الحافظ المكثر من الشيوخ، والمسموع؛ حيث كان ينوع في الشيخ الواحد ([151]).

ووقع ذلك أيضاً، للإمام البخاري في شيخه الذهلي، فإنه تارة يقول محمد، ولا ينسبه، وتارة: محمد بن عبدالله فينسبه إلى جده، وتارة: محمد بن خالد، وينسبه إلى والد جده ([152]).

ومن خلال استعراض الأقوال السابقة في ابن جريج، نجد أن أكثر ما اتهم ابن جريج بتدليسه، ما كان عن طريق شيخه إبراهيم، مع أنه لم يرو عنه كثيراً، كما صرح بذلك أبو حاتم، حيث قال: " إبراهيم بن أبي يحى، روى عنه ابن جريج والشافعي، فأما ابن جريج فإنه يكني عنه ويسميه إبراهيم بن محمد بن أبي عامر، وإبراهيم بن أبي عطاء، وإبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، ولم يرو عنه إلا الشيء اليسير " ([153]).

وهذا الشيء اليسير عرفه العلماء، وميزوا رواياته عنه، ولم يكن خفياً، ولا كثيراً، بحيث يصعب حصره، وعلى ذلك فالروايات المُدلَسة، عن ابن جريج، من طريق شيخه إبراهيم، ليست كثيرة حتى يكون الحكم الغالب لها، بل أن ابن جريج ليس كثير التدليس كما سيأتي بيانه.

وقد أجاب ابن القطان، عن هذه التهمة، التي وجهت إلى ابن جريج، فقال عند حديثه، عن إبراهيم بن أبي يحيى: " وقد كان من الناس، من كان حسن الرأي فيه، منهم الشافعي وابن جريج، وقد روى ابن جريج أحاديث قالوا: إنه إنما أخذها عن إبراهيم بن أبي يحيى فأسقطه وأرسلها ".

ثم قال معقباً على ذلك: " وعندي أن هذا لا يصح على ابن جريج، فإنه من أهل العلم والدين، وإن كان يدلس، فلا ينتهي في التدليس، إلى مثل هذا الفعل القبيح، ولو قدرناه حسن الرأي في إبراهيم " ([154]).

وقد سبق قول المعلمي، عن ابن جريج، أنه لا يدلس إلا عمن كان ثقة عنده، أي لا يعتقد ضعفه أو كذبه، فيدلس عنه أو يكنيه، أو يلقبه، حتى لا يعرف.

وقد اعتذر الحافظ علاء الدين مغلطاي (ت762هـ)، لرواية الشافعي وابن جريج عنه، فقال نقلاً عن الإمام زكريا بن يحيى الساجي (ت307هـ): " والشافعي لم يخرج عن إبراهيم حديثاً في فرض، إنما جعله شاهداً في فضائل الأعمال، وظن به الشافعي ما ظن به ابن جريج " ([155]).

وهذا يدل، على أن ابن جريج، كان حسن الظن في شيخه إبراهيم، لذلك كان يكنيه ويلقبه.

وكذلك كان الشافعي حسن الرأي فيه، حيث قال عنه: " لأن يخر إبراهيم من بُعد، أحب إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث " ([156]) وكان إذا روى عنه قال: " حدثني من لا أتهم ".

وقد اعتذر الذهبي، عن رواية الضعفاء، عندما نقل تدليس أبي الحسن القطان، عن الضعفاء فقال: " نعم والله صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعةٍ كبارٍ فِعْله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوزوا على ذلك الشخص، الذي يسقطون ذكره بالتدليس، أنه تعمد الكذب، وهذا أمثل ما يعتذر به عنهم " ([157]).

أما عن اتهام ابن أبي يحيى، لابن جريج حيث قال عنه:

" إني حدثته (من مات مرابطاً مات شهيداً) فحدث عني (من مات مريضاً ... ) " فقد رد على ذلك ابن الجوزي حيث قال:

" ابن جريج هو الصادق " ([158]) وقال في اللآلئ ([159]): " لا يصح، ومداره على إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك ".

وهذا يدل على أن ابن جريج أحفظ من إبراهيم، وما حدَّث إلا ما حدثه به، فالخطأ أساساً في الحديث من جهة إبراهيم، لا من جهة ابن جريج الحافظ الأمين، والله أعلم.

5 - أخذ عليه أيضاً: روايته عن أبي بكر السبري، وهو من جملة الضعفاء، وممن اتهم بوضع الحديث.

وقد ذكر الواقدي، أنه سمع أبا بكر بن أبي سبرة يقول: " قال لي ابن جريج: أكتب لي أحاديث من أحاديثك جياداً، فكتبت له ألف حديث ودفعتها إليه، ما قرأها عليّ ولا قرأتها عليه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015