ولو نظرنا إلى حكم المتقدمين، على أحاديث المدلس، نجدهم لا يحكمون عليها بمجرد العنعنة، بل يقولون: فلان دلس هذا الحديث، ومن ذلك ما رواه الحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي (ت262هـ) قال: " سألت يحيى بن معين، عن التدليس، فكرهه وعابه. قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دلس " ([138]).
فنجد أن الإمام يحيى بن معين، لم يعلق الحكم على العنعنة، بل على ثبوت التدليس من الراوي، ويعرف ذلك باعتبار الحديث وسبر الروايات.
وقال الإمام أحمد، عن هشيم بن بشير ([139]) (ثقة إذا لم يدلس) ([140])، ولم يقل أنه ثقة فيما لم يعنعن فيه. بل علق الحكم على التدليس وعدمه.
وقال الدارقطني في ابن جريج: " يتجنب تدليسه فإنه وحش التدليس ... إلخ " ([141]).
فنجد الدارقطني قال: " يتجنب تدليسه ولم يقل " عنعنته " وإنما يعرف تدليسه بالاعتبار والقرائن.
3 - أخذ على ابن جريج، أنه حدث بالإجازة والمناولة، وتوسع في ذلك، وهذا ما يسمى بـ " تدليس الصيغ ".
قال الحافظ الذهبي (ت748هـ): " وكان ابن جريج، يرى الرواية بالإجازة والمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في روايته عن الزهري؛ لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط " ([142]).
ولقد سبق بيان، أن هذا ليس مذهباً خاصاً بابن جريج، بل ذهب إليه جماعة من المحدثين.
وقد كانت الإجازة المتعارف عليها عند التابعين وتابعيهم، كانت في الشيء المعيّن يعرفه المجيز والمجاز له، أو مع حضور الشيء المجاز فيه. أما الإجازة المطلقة فقد حدثت بعد زمن أتباع التابعين، حيث اشتهرت التصانيف وفهرست الفهارس ([143]).
ورواية ابن جريج عن الزهري، وعن هشام بن عروة، إجازة إنما هي من هذا الباب كما سيأتي بيانه.
والذي صح عن الزهري، أنه كان يسوغ الإجازة في المعيّن، كما روى عنه ذلك عبيدالله بن عمر العمري بسند صحيح قال: " أشهد على ابن شهاب، لقد كان يؤتى بالكتب من كتبه، فيقال له: يا أبا بكر، هذه كتبك؟ فيقول: نعم، فيَجَتزيءُ بذلك. وتحمل عنه، ما قرئ عليه " ([144]).
قال ابن عبدالبر: " هذا معناه أنه كان يعرف الكتاب بعينه، ويعرف ثقة صاحبه، ويعرف أنه من حديثه، وهذه هي المناولة، وفي معناها الإجازة إذا صح تناول ذلك " ([145]).
وقد علق ابن حجر، على قول يحيى بن سعيد، في حديث ابن جريج، عن عطاء الخراساني، فقال: " ضعيف " وقال: " لا شيء، إنما هو كتاب دفعه إليه " قال ابن حجر: " قلت: ففيه نوع اتصال، ولذلك استجاز ابن جريج أن يقول فيه أخبرنا " ([146]).
أما رواية الواقدي، عن أبي الزناد، أنه قال: شهدت ابن جريج، جاء إلى هشام بن عروة، فقال: يا أبا المنذر، الصحيفة التي أعطيتها فلان هي حديثك؟ فقال: نعم.
قال الواقدي: فسمعت ابن جريج بعد ذلك يقول: حدثنا هشام بن عروة ما لا أحصي " ([147]).
فهذه الرواية سندها ضعيف، محمد بن عمر الواقدي، متروك مع سعة علمه، كما قال ابن حجر ([148]).
ومقتضى هذه الراوية، أن هشام لم يأذن لابن جريج بالراوية، حيث سأله فقط: هل هي من حديثك؟ فقال: نعم.
ثم استجاز ابن جريج روايتها بصيغة التحديث.
وهذا لا يصح من ابن جريج، إنما الصحيح ما رواه الفسوي بسنده، إلى هشام بن عروة، قال: جاء ابن جريج بصحيفة مكتوبة فقال لي: يا أبا المنذر، هذه أحاديث أرويها عنك؟ قلت: نعم. فذهب فما سألني عن شيء غيرها ([149]).
وروى الترمذي ([150])، بسنده إلى يحيى بن سعيد، قال: جاء ابن جريج، إلى هشام بن عروة بكتاب فقال: هذا حديثك أرويه عنك؟ فقال: نعم.
وفي كلا الروايتين، التصريح بإذن هشام بن عروة لابن جريج بالرواية عنه، وهذه إجازة لمعين، وهي مما صححها العلماء وأجازها.
4 - أُخِذَ على ابن جريج، أنه يدلس تدليس الشيوخ، فقد دلس اسم شيخه، إبراهيم بن أبي يحيى، إلى إبراهيم بن أبي عطاء، ولم يثبت عنه ذلك النوع، إلا في شيخه هذا فقط، وهذا يعني أنه لم يكن مكثراً منه.
¥