ـ[أبو هارون الجزائري]ــــــــ[26 - صلى الله عليه وسلمug-2007, صباحاً 03:02]ـ

بارك الله فيك أخي الكريم أبو الفضل المصري وفي باقي الاخوة،

أردت قبل أن أعلق أن أتطرق إلى مسألة حصل فيها خلط لبعض الاخوة الغيورين على السنة، فتجدهم يكثرون من ذكر كلمة أهل الحديث وضرورة الأخذ عنهم وترك من سواهم. لكن الذي غاب عنهم أن كلمة أهل الحديث في عرف المتقدمين (القرون الثلاثة الأولى) هو ليس بعرف المحدث في زماننا. بل كانت الكلمة تستعمل في مقابل المتكلمين الذين كانوا اشتبهروا بتقديم أصول علم الكلام على حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

رجوعا للإمام أبو حنيفة الذي لازلت أعتقد أنه أفقه من الإمام البخاري، لأسباب منها:

1 ـ أن الأئمة الكبار شهدوا له بالإمامة والسبق في الفقه مع كثرة المناوئين والمنافسين له في زمانه.

2 ـ شدة ترتيب ودقة مذهبه (ولا أظن مذهبا فقهيا آخر يضاهيهم في هذا الشأن ـ أي الترتيب ـ) ولعل هذا ما جعل شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى مذهبهم ومقتبسا ومستعملا لأصولهم.

نبذة عن أصول مذهبه:

أخرج البيهقي عن يحيى بن خريس، قال: شهدت سفيان وأتاه رجل، فقال: ما تنقم على أبي حنيفة؟ قال: وماله؟ قال قد سمعته يقول: " آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله، أخذت بقول أصحابه من شئت منهم، وأدع قول من شئت ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم. فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن، وعطاءن وابن المسيب ـ وعد رجالا ـ فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا" [مفتاح الجنة ص 34] وفي رواية " فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات" .. إلخ. [السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي/ السباعي]

وهاهي بعض النقول تدعيما لما أدعيه. قد يرد علي بأن الإمام البخاري صدر في حقه مدح أيضا. وجوابه أن من مدح البخاري ليس في مرتبة من مدح أبا حنيفة.

أخرج الخطيب [تاريخ بغداد 14/ 47] عن ابن كرامة، قال كنا عند وكيع يوما، فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة أن يخطئ، ومعه مثل أبي يوسف وزفر في قياسهما، ومثل يحيى بن أبي زائدة وحفص بن غياث وحبان ومندل في حفظهم للحديث، والقاسم بن معن في معرفة باللغة العربية، وداود الطائي وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما؟ ومن كان هؤلاء جلساؤه لم يكد يخطئ لإنه إن أخطأ ردوه" انتهى.

روى حيان المروزي، قال: سئل ابن المبارك: مالك أفقه أو أبو حنيفة؟

قال: أبو حنيفة.

وقال يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.

وقال علي بن عاصم: لو وزن علم الإمام أبي حنيفة بعلم أهل زمانه، لرجح عليهم.

وقال حفص بن غياث: كلام أبي حنيفة في الفقه، أدق من الشعر، لا يعيبه إلا جاهل.

وروي عن الأعمش أنه سئل عن مسألة، فقال: إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزار، وأظنه بورك له في علمه.

وقال جرير: قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تفقه، فإن إبراهم النخعي لو كان حيا لجالسه.

وقال ابن مبارك: أبو حنيفة أفقه الناس.

وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

قلت (الإمام الذهبي): الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام. وهذا أمر لا شك فيه.

وليس يصح في الأذهان شيء .... إذا احتاج النهار إلى دليل

توفي شهيدا مسقيا في سنة خمسين ومئة. وله سبعون سنة.

المصدر: سير الأعلام النبلاء ترجمة أبي حنيفة.

هناك مقولة تزعم أن أبا حنيفة كان ضعيفا في الحديث، أرى لزاما علي أن أنقل فيها بعض الأسطر وهو من تعليق حسين الأسد على كتاب السير بإشراف شعيب الأرنؤوط.

قال: وأما ما يؤثر عن النسائي، وابن عدي من تضعيفهم لأبي حنيفة من جهة حفظه، فهو مردود لا يعتد به، في جنب توثيق أئمة الجرح والتعديل من أمثال: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وشعبة وإسرائيل بن يونس، ويحيى بن آدم، وابن داود الخريبي، والحسن بن صالح، وغيرهم. فهؤلاء كلهم معاصرون لأبي حنيفة أو قريبوا العهد به، وهم أعلم الناس به، وأعلم من النسائي، وابن عدي. وأمثالهما من المتأخرين عن أبي حنيفة بكثير، كالدارقطني الذي ولد بعد مئتي سنة من وفاة أبي حنيفة، فقول هؤلاء الأئمة الأقرب والأعلم، أحرى بالقبول، وقول المتأخر زمانا أجدر بالرمي في حضيض الخمول.

وقد نقل الشيخ ابن حجر المكي في "الخيرات الحسان" ص 34 قول شعبة بن الحجاج في أبي حنيفة: " كان والله حسن الفهم، جيد الحفظ " وهذا نص صريح في قوة حفظه، صادر عمن هو مشهود له بالإمامة وبالتدين، والتشدد في نقل الرجال. وبهذا القول الرشيد يسقط كل ما ادعاة المتعصبون، والحاقدون، من متقدم ومتأخر، من ضعف حفظ هذا الإمام العظيم. انتهى.

بهذا الكلام يتضح أن الإمام أبا حنيفة كان إماما مستقلا وهي مرتبة لم ينلها إلا القلة، وادعاها البعض كابن جرير الطبري ولم يسلم له أهل زمانه بذلك.

اللهم ارحم كل إمام ذكر في هذه الأسطر وارحمنا معهم.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015