و إن قلتَ: ثبتَ لقاء سليمان بأبيه. فنقول: أين هو؟ لماذا لم تذكره إن كان عندك؟ مع أنك تزعم أن البخاري صحح حديث سليمان لثبوت اللقاء!

ثاني الأوهام: الشيخ حاج عيسى يتعقَّب الشيخ حاتم في هذا النص بتعقُّبٍ ليس له علاقة بمحل النزاع الذي يزعم أنه حرره، وإنما هو تعقُّبٌ مفروضٌ في محل النزاع الذي حرَّره الشيخ حاتم وهو: (حقيقة الشرط المنسوب للبخاري).

فقال: (الجواب: الصواب أن تقول: فهل يتجرأ أحد بعد أدلة المعاصرة التي ذكرناها آنفا؟ لا أدلة السماع. ونحن لا نزعم أن البخاري يرد حديث سليمان عن أبيه، لأننا نعتقد أن البخاري قد يصحح الحديث لثبوت اللقاء وإن لم يأت تصريح بالسماع).

وهنا سؤال: قولك: (لأننا نعتقد أن البخاري قد يصحح الحديث لثبوت اللقاء وإن لم يأت تصريح بالسماع) يدل على أن الشيخ حاتم أخطأ في أيِّ محلَّي النزاع؟: هل في عدمه تحريره لحقيقة شرط البخاري، أم في عدم تحريره لصورة الحديث المعنعن المختلَفِ فيها؟

أي إذا وافقك الشيخ حاتم على محل النزاع الذي حرَّرته فإن هذا لن يمنعه أن يقول لك: إن البخاري نفسَه يصحح أحاديث لم يثبت بين رجالها لقاء ولا سماع وإنما معاصرة محتفَّةٌ بقرائن، فهل ستعود لتقول له: إن هذا عدم تحرير لمحل النزاع؟!!

ثالث الأوهام: قال الشيخ حاج عيسى في موطن سابق: (ولم يتنبه الشيخ حاتم إلى أن اللقاء ما هو إلا قرينة تقوي احتمال السماع وإلا فإن الأصل هو ثبوت السماع) معنى هذا الكلام: ألا قيمةَ كبيرة للقرينة في تصحيح الأحاديث عند البخاري (كاللقاء هنا) إذا انتفى الأصل وهو (ثبوت السماع)، ثم يقول في النص الذي نحن بصدد تجلية أوهامه: (لأننا نعتقد أن البخاري قد يصحح الحديث لثبوت اللقاء وإن لم يأت تصريح بالسماع).

أقول: لو كنتَ محرراً لمحل النزاع الحقيقي هنا و هو (حقيقة شرط البخاري) لما وقعتَ في هذا التناقض الصريح!

فمرةً تجعل اللقاء لا يعدو أن يكون قرينةً والسماعَ هو شرط البخاري، ومرةً تجعل اللقاء – في مسألةٍ لم يَثبت فيها اللقاء - هو مستندَ البخاري في التصحيح! فما قيمة اللقاء عندك: هل هو قرينة أو هو شرطٌ وحدَه؟ وما قيمة السماع عندك: هل هو شرطٌ، بتخلُّفه يتخلَّف المشروط وهو صحة الحديث؟ أو هو شرط كمال تغني عنه القرائن القوية؟

والخلاصة أن تحريرك لصورة الحديث المعنعن التي حصل فيها الخلاف – لو سُلِّم لك بتحريرك - لا يفيدنا شيئاً في الجواب عن هذا التناقض والاضطراب.

لقد كنتَ في عافية أن يقول أهل الحديث عند كلِّ وهمٍ وهمتَه: (هذا الوهم ناتج عن عدم تحرير محل النزاع وهضمه جيدا)!!

ورابع الأوهام: ما يتعلق برواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أوردها الشيخ حاج عيسى مستشهداً بها على مقولته السابقة: (لأننا نعتقد أن البخاري قد يصحح الحديث لثبوت اللقاء وإن لم يأت تصريح بالسماع).

أقول:

أولاً: هذا قياسٌ مع الفارق! فرواية سليمان بن بريدة عن أبيه ليس فيها ثبوتٌ للقاء، بخلاف رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود التي ثبتَ فيها اللقاء، فما وجه الشبه بينهما إذا انتفتْ علة القياس وهي ثبوت اللقي؟؟

ثانياً: الذي فهمه البخاري من نفي شعبة للسماع هو الانقطاع بين عبد الرحمن وأبيه – كما يقرره الشيخ حاتم - ولو أن البخاري فهم من نفي شعبة للسماع أنه اشتراطٌ للعلمِ بالسماع = لاعترض عليه برواية فيها التصريح بالسماع لا روايةٍ فيها ثبوت اللقي. وبهذا يصبح هذا المثال دليلاً جديداً للشيخ حاتم فيما ذهب إليه من شرحه لعبارات نفي السماع التي هي مستَمسَك المخالفين له.

فإذا ثبتَ أن هذا معنى نفي شعبة للسماع قيل للشيخ حاج عيسى: هذا البخاري قد صَحَّح مع عدم ثبوت السماع وإنما اكتفاءً باللقاء الذي لا تعتبره شرطاً للبخاري وإنما قرينة – كأي قرينةٍ قوية - تقوي احتمال السماع وأن شرط البخاري هو ثبوت السماع! فأصبح استدلالك برواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لا يفيدك شيئاً.

والله أعلم.

* * * *

هذا الجزء الأول. ويتلوه ما تيسَّر لي – بإذن الله - تسجيله من ملاحظاتٍ على بحث الشيخ محمد حاج عيسى.

وصلى الله تعالى على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.

كتبه: خالد بن جابر الأسمري (رجل من أقصى المدينة)

السبت 29/ 6/1428هـ.

[/ QUOTصلى الله عليه وسلم]

ـ[المتعلم]ــــــــ[17 - Jul-2007, مساء 03:32]ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها الأخ الفاضل جزاك الله خيرا على موضوعك وهدوئك

لا شك عندي أن نقاش هذه المسائل وكثرة طرحها سيزيد في وضوحها ويجلي مشكلاتها ويزيل كثيرا من اللبس حولها.

وإن كانت المسألة فرعية دقيقة من جزء من جزء من علم الحديث الشريف.

والملحظ الواضح الذي تدور عليه جملة كبيرة من أدلة وقرائن هذه المسألة التي تداولها المشايخ الفضلاء قديما وحديثا = راجع إلى الخلاف في فهمها.

فكل منهم يدعي أن فهمه لهذه النصوص والقرائن هو الصواب وأساء أو قصر مقابله في فهمها.

وهذا يقرر أنه لا يمكن أن تحسم المسألة لأحد الفريقين مهما كتب فيها؛ لاختلاف وتباين فهم البشر، والمؤثرات على هذا الفهم.

وهذه المسالة كغيرها من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف لخفائها وكثرة الإشكالات فيها.

لكن مثل تعليقك هذا:

وما أشبه هذا بأسلوب مدرسة التقليد الذي وصَمْتَ به كتاب إجماع المحدثين، والذي لم يؤلفه صاحبه إلا ليكشفَ هذا التقليد المتوارث من قرون في هذه المسألة!

هو من أكبر المزعجات المصاحبة لطرح هذه المسألة، فرمي المخالف بالتقليد= اعتداء، واستهلاك لرأيه وفهمه.

في حين أن المخالف غير عاجز عن اختيار ألفاظ قد تكون أكثر إزعاجا يصف بها منهج الشيخ حاتم من تبعه من محبيه.

لكن هل هذا من الأدب في الخلاف أو في الأخوة الإيمانية أم أنه من الاعتداء والله لا يحب المعتدين؟

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015