على أنَّ فيه أحاديث كثيرة واقعة في (الصحيحين) والكتب المشهورة، فهذه لا يتناولها البحث، هنا.
نعم، لا تعدم أن تجد فيه حديثاً معلاًّ بالوقف على صحابي، فإن صحَّ الإسناد فيكون أثراً صحيحاً، أو بالإرسال عن كبار التابعين الذين لا يُسندون إلا عن أهل الثقة والصدق، أو لا يروون إلا عن أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كسعيد بن المسيب، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونحوهما، فتكون لهم مكانة متميزة في الاحتجاج أو الاعتبار).
وأما النوع الرابع وهو كتب المتأخرين، فكثير من المتأخرون عن عصر الأئمة أصحاب الكتب الستة، كأبي نعيم والطبراني والخطيب، فضلاً عمن جاء بعدهم كصاحب مسند الفردوس، وفضلاً عمن كان في القرن السابع أو الثامن، كان الغالب عليهم أن يحرصوا على رواية الغرائب والعوالي – والعوالي فيها إغراب أيضاً بل هي عند التحقيق والتدبر نوع من الغرائب، فهي تشاركها في معناها ولو لغة فقط – وهذه يكثر فيها الغلط والوهم، وقد تقدم في الكلام على الغرائب بعض ما يتعلق بهذا النوع.
وكذلك توسع المتأخرون في مسألة الإجازة بكل أنواعها وتسهلوا في الجملة في طرق التحمل تسهلاً لا يرضاه المتقدمون والمحققون؛ ولنستحضر هنا أيضاً كلام ابن الصلاح – على ما دار حوله من نقاش وتعقبات – في موقفه من تصحيحات المتأخرين وأحوال كتبهم.
والحاصل أنه ليس من الإنصاف أن نثق بكل إسناد أخرجه الحاكم مثلاً أو أبو نعيم – على أن أبا نعيم من الحفاظ الثقات العلماء كما هو معلوم – أو ابن الجوزي في بعض كتبه أو بعض المتأخرين في مشيخاتهم وغيرها، كما نثق بكل إسناد أخرجه أبو داود أو النسائي، ولا أريد حال الإسناد من حيث رواته، ولكن حاله من حيث سلامته من خطأ وخلل وتصحيف متأتٍ من جهة المصنف أو شيخه أو شيخ شيخه، أي من جهة تأخر من رواه عن الأئمة المتقدمين في زمانه وتخلفه عنهم في علمه، ومن جهة تساهله، فالنسائي مثلاً لو روى حديثاً ضعيفاً، فإنه ليس من القريب المتوقع أن يكون ذلك الحديث قد وهم فيه ثقة من رواته الثقات ثم يأتي النسائي فيرويه في (سننه) فلا هو اجتنبه ولا هو بين علته ولا أشار إليها ولو برواية ما يخالفه، النسائي ينتقي ويبين ويعلل، وإن سكت عن شيء فهو محتمل أو علته معلومة أو هو نادر ولا عبرة بالنادر؛ فهل هذا هو نهج المتأخر؟ وهل هو متأهل لهذا المقام؟ هل يفعل مثل ذلك؟ وهل يبلغ علمه أو حرصه أو شرطه أو تثبته هذا المبلغ؟! فالمسألة لا تقف عند قولنا هذا كتاب مروي بالإسناد وهذا راو ثقة، المسألة أبعد من ذلك وأخطر.
وأما النوع الخامس من الكتب أعني الكتب التي ورد في مؤلفيها أو فيها خاصة بعض المطاعن المؤثرة مطلقاً أو أحياناً، والتي ينبغي أن تُعمَل في محلها ولا تُهمل.
أين - مثلاً - أثر كلام النقاد في تخريجات المتأخرين في (مستدرك الحاكم) وأنه وقع له فيه أوهام غير قليلة؟!
وأين أثر كلامهم في الذين كانوا يدلسون الإجازة كأبي نعيم؟!
أين أثر كلامهم في الحارث بن أبي أسامة، أعني عند من قَبِل كلام من تكلم فيه وغمزه؟
بل أين أثر كلامهم في كل كتاب مسند تكلموا فيه أو في صاحبه كلاماً معتبراً؟!
نعم، الكتب المسندة التي تُكلم فيها وفي أصحابها قليلة جداً – بحمد الله - قياساً إلى ما لم يتكلموا فيه منها، فهذه خارجة عن ساحة هذا التنبيه، ولكن نريد الدقة والتحقيق ووضع كل شيء في موضعه اللائق به؛ فلا يصح في ميزان العلم أن نعتبر كل إسناد وارد في مثل هذه الكتب المنتقدة أو المتأخرة كما نعتبر أسانيد الأئمة المتقدمين؛ فالتفريق هنا لا بد منه، ولكن هذا التفريق يحتاج إلى فضل علم وتحقيق وإلى تعب يعجز عنه أكثر أصحاب الطلب، والله الموفق وهو وحده المستعان.
تنبيه: إذا أطلقت المتأخرين أو المعاصرين في مثل هذا المقام فمرادي - كما هو معلوم عند المنصفين والعارفين - هو أكثرهم أو المقصود أصحاب منهج المتأخرين، وليس مقصودي جميع المتأخرين والمعاصرين، وأعوذ بالله من تعميم باطل، ولكن التقييد قد يفوت الكاتب أحياناً وقد يستغني عنه تاراتٍ بالقرائن وغيرها.
وانتظروا التنبيه العاشر، بعون الله وتوفيقه -------------------------------------
ـ[أحمد العراقي]ــــــــ[30 - Jul-2007, مساء 12:29]ـ
جزاكم الله خيرًا.
¥