وأما النوع الثاني أعني كتب التواريخ والضعفاء والجرح والتعديل فالأصل أن صاحب التاريخ أو الكتاب من هذا النوع لا يروي الخبر فيه إلا ليبن نكارته، وهو يريد أن يترجم به لذلك الراوي ويشير إلى أنه يروي المنكرات وأن الحمل في رواية ذلك الحديث المنكر – أو تلك الأحاديث المنكرة – إنما هو عليه لا على غيره من رجال ذلك الإسناد؛ هذا هو الأصل، وقد يرِدُ أحياناً ما يدل على خلافه، مثل أن يبين صاحب الكتاب بعد روايته الحديث المنكر في ترجمة الرجل الذي هو أحد رواته أن الحمل في ذلك الحديث المنكر إنما هو واقع على غير ذلك الراوي، أو يدفع النكارة عن الحديث ويردُّ على من ادعى نكارته.

قال العلامة المعلمي في تعليقه على (الفوائد المجموعة) (ص180): (وإخراج البخاري في (التاريخ) لا يفيد الخبر شيئاً، بل يضره، فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في (التاريخ) إلا ليدل على وهن راويه).

قال ذلك تعقباً على كلامهم على الحديث المرفوع (جاءني جبريل فأومأ إلي بتمر فقال: ما تسمون هذا في أرضكم؟ قلت: نسميه التمر البرني، قال: كله فإن فيه سبع خصال) إلخ.

وقد قال الشوكاني في تخريجه: (رواه ابن عدي وقال: باطل، ورواه ابن عدي أيضاً عن علي مرفوعاً: خير ثمراتكم البرني يخرج الداء ولا داء فيه، وفي إسناده: إسحاق الفروي، متروك.

وقد رواه أبو نعيم في الطب من غير طريقه.

وله طرق أخرى موضوعة.

وأخرجه الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح من حديث أنس، وتعقبه الذهبي في (تلخيصه) فقال: عثمان بن عبد الله العبدي لا يعرف والحديث منكر.

وأخرجه ابن عدي أيضاً من حديث ابن بريدة عن أبيه مرفوعاً.

قال ابن حبان: عقبة بن عبد الله الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير.

قال في (اللآلىء): روى له الترمذي وقد أخرجه البخاري في (التاريخ) والبيهقي في (الشعب) وصححه المقدسي؛ وأخرجه من حديث أبي سعيد أبو نعيم في (الطب) والحاكم في (المستدرك) فالحكم بوضعه مجازفة).

فقال المعلمي: (بل المجازفة في هذا الكلام، فإن ألفاظ الخبر مختلفة، ومنها ما ينادي على نفسه بالوضع، وإخراج البخاري في التاريخ لا يفيد الخبر شيئاً، بل يضره، فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في التاريخ إلا ليدل على وهن راويه؛ وتصحيح المقدسي لرواية عقبة الأصم مع ضعفه وتدليسه وتفرده وإنكار المتن مردود عليه.

أما حديث أبي سعيد الذي أخرجه أبو نعيم والحاكم، ففي سنده من لا يعرف، ولم يصححه الحاكم، وإنما قال: أخرجناه شاهداً.

وأبعد الروايات عن الإنكار من طريق شهاب بن عباد، أنه سمع بعض وفد بني عبد القيس يقول: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث، وفيه في البرني (أما إنه من خير تمركم، وأنفعه لكم)؛ والله أعلم). انتهى.

وليت الأمر يقف عند هذا الحديث، بل كثيراً ما يصرح جامعو كتب الضعفاء في طائفة معينة منصوص عليها، من أحاديث ذلك الضعيف بأنها منكرة ويبينون بالتصريح بأنهم إنما اختاروا تلك الطائفة من أحاديثه لتكون أمثلة على منكراته، ومع ذلك يأبى كثير من المتأخرين إلا تصحيح تلك الأحاديث نفسها – أو بعضها - بمجموع الطرق، فما الذي حوَّل المنكر إلى معروف غير منكر، وما الذي قوى عندنا ما كان ساقطاً عند أئمتنا؟!.

وأما النوع الثالث أي كتب الفوائد والغرائب:

فأما كتب الفوائد فيأتي الكلام عليها في الرابط الآتي.

http://www.alukah.net/majles/showthread.php?p=32586#post325 86

وأما كتب الغرائب، فشرطها قريب من شرط كتب الفوائد، ومعناها غير بعيد من معناها، ولكنه أوسع منه، فالفوائد أخص من الغرائب، فكتب الفوائد تجمع غرائب مصنفيها وحدهم، وأما كتب الغرائب فتُعنى أصلاً بجمع ما أغرب - أي تفرد - به راو عن إمام حافظ مكثر شهير، كمالك، أو شعبة؛ سواء كان المُغْرِب هو الراوي عن ذلك الحافظ، أو كان راوياً آخر دونه في السند.

وكثير من هذه الغرائب لا تلبث أن تشتهر في الطبقات التالية لطبقة ذلك المتفرد، وذلك بسبب كونها مروية من طريق ذلك الإمام الذي يحرص كثير الرواة على جمع كل ما روي عنه، بخلاف الفوائد فهي غرائب في بلد جامعها، أو في عصره، كما تقدم؛ فغرابتها متأخرة في طبقتها عن غرابة سائر الغرائب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015