ولم يقفِ الأمرُ عند هذا الحد، بل تعداه إلى ما هو أخطر بكثير، فإنَّ هذه الصناعة الحديثية الشريفة الموقرة الجليلة الخطيرة طمع فيها – لأسباب كثيرة منها ما تقدمت الإشارة إليه من تصرفات أدت إلى تهوين شأن هذا العلم بتهوين شأن أئمته – أقول طمع فيها كثير ممن ليسوا في العير ولا النفير، من طالب دراسة جامعية يقرأ سنتين ما شمَّ قبلها لعلم الحديث رائحةً، فيكتب رسالةً يحكم فيها بالقبول أو الرد على مئات من الأحاديث التي لو عرض كثير منها على مثل أحمد بن حنبل لتوقف فيها أو لجمع لها – أو لكثير منها – علي بن المديني وابن معين وأضرابهما لو تيسر له ذلك، ومن رجل جاهل حصّل مخطوطةً حديثية نفيسةً فأبى إلا أن يقومَ هو – دون غيره - بنشرها وتحقيقها وتصحيحها، وما درى أن الذي قام به إنما هو تزويرها وإفسادها وتصحيفها.
فانتهى الحال إلى ما ترون من المآل، ووقع في هذا العلم الشريف ذلكم الإخلال.
فحقَّ لأهل العلم أن يتمثلوا*****ببيت قديم شاع في كل مجلسِ
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ
وحقَّ لهم أن يتمثلوا بقول من قال:
لَمّا تبدلتِ المنازلُ أوجُهاً ******* غيرَ الذين عهدتُ من علمائِها
ورأيتها محفوفةً بسوى الألى ****** كانوا ولاةَ صدورِها وفِنائها
أنشدتُ بيتاً سائراً متقدماً ****** والعينُ قد شرقت بجاري مائها
أما الخيام فإنها كخيامهم ... *** وأرى نساء الحي غير نسائها
فإذن نحن بين يدي علمٍ بل بحرٍ محيطٍ لا ساحل له، وميدان خطيرٍ قلَّ فرسانه، وصناعة غريبة لا يتقنها في الحقيقة إلا أفراد أفذاذ وعلماء خلقهم الله تعالى لهذا الشأن، ولكنهم قلت على مر العصور أعدادُهم حتى صاروا غرباء في بلادِهم، وجهل حقَّهم أكثرُ الخلائق، لكن هؤلاء الأئمة الجهابذة قد عرف حقَّهم العلماءُ المحققون قديماً وحديثاً وأبرزوا مكانتهم وأظهروا فضلهم فأنزلوهم المنزلة التي يستحقون ووقفوا أمام بحار علمهم خاضعين غير خائضين، وإنما يعرف الفضلَ لأهله أهلُه، خذ مثلاً لذلك – وتدبرْه - قولَ الإمام البخاري: (ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني).
إنه علمٌ من تكلم فيه من غير أئمته فالخطر إليه أسرع من سلامته، ومن دخل فيه من غير بابه فخطؤه أقرب إليه من صوابه.
هذا شأن هذا العلم الشريف الجليل؛ ولكن قد حصَلَ أمرٌ كان سيء الأثر جداً عليه، وإن ذلك لمصاب جلل على هذه الأمة وخطب كاد يقصم ظهرَ العلم الشرعي لولا أن تداركه الله برحمة منه، فما هو ذلك الأمر وما خبره؟ إليك بيان ذلك.
بدأت الأمة بعد القرون الأولى تضعف شيئاً فشيئاً، ثم لم يزل الضعف مستمراً، ولا شك أن أول ما يضعف بضعف الأمة هو علمها الأول علم الحديث النبوي في نقله ونقده وفقهه والعمل به.
وكان من نتيجة ذلك أن تنازلت مراتب حملة هذا العلم الشريف عما كانت عليه، وأن تجرأ على الدخول في ميدانه كثير ممن لا يُحسنه، فشارك فيه كثيرٌ من المتفقهة القاصرين وبعض ضعفاء الطلبة وجماعات من المتعالمين ومن أصحاب المقاصد المنحرفة، فكان لهؤلاء في الجملة أصول غير التي لأهل الحديث الذين هم أهله ومناهج غير التي كانوا يسلكون.
وهكذا صار الحديثيون أو المشتغلون بالحديث منقسمين في الجملة إلى طائفتين كبيرتين: طائفة عالمة ورعة متثبتة متأهلة، وطائفة منحرفة عنها في منهجها وقاصرة عنها في علمها ومقصرة في التطبيق.
وقبل أن أبدأ بتفصيل أهم الفروق بين الطائفتين أود أن أنبهك على مسألتين:
الأولى: أنني رأيت أنه يحسن بي في هذا المبحث أن أسمي الطائفتين، لأجل اختصار التعبير، فرأيت أن أصطلح على تسمية الأولى (طائفة علماء العلل والتفصيل)؛ وأصطلح على تسمية الثانية (طائفة علماء الجمل والتأصيل)؛ وسأنبيك عن سر هاتين التسميتين ببيان؛ بل ستفهم أنت ذلك – إن شاء الله تعالى - من مجرى الكلام على الفروق بين هاتين الطائفتين.
¥