فمؤلفات وضعت على المسانيد، وجوامع وسنن على الأبواب العقائدية والتاريخية والفقهية ومستخرجات وأجزاء وتخريجات وشروح، وتأليف في الموضوعات وفي الناسخ والمنسوخ، وفي تواريخ الرجال وجرحهم وتعديلهم، وفي طبقات حفاظهم وبيان منازلهم وذكر شيوخهم ومن أخذ عنهم مع ذكر وفيات من عاصرهم من الحفاظ والمسندين وأهل العلم في الجملة، ومعاجم ومشيخات ومسلسلات، وأخرى في غريب الحديث وأخرى في علل الأسانيد من حيث الإرسال والوصل والرفع والوقف ([4]).

إن المسلم الصادق ليحب لهذه الأمة كل ما يرفع من شأنها في الدنيا والآخرة ويسعى بكل ما يستطيع إلى ما يدفع هذه الأمة إلى تحقيق هذه الغاية، ويدرك أنه لا شيء أوجب عليهم وأحرى بأن يحقق لهم هذه الغاية هو العودة الجادة إلى التمسك بكتاب ربهم وسنة نبيهم والاحتفاء بهما علماً وعملاً واعتقاداً، والسير على طريقة أسلافهم في كل ذلك ومن ذلك الاهتمام بهذه السنة العظيمة وحفظها في صدورهم وفقهها والعمل بها في كل شئون حياتهم فيخرج منها الفقهاء والعباد والمحدثون الحفاظ.

فما هي الوسائل التي ينبغي البدء بها والسعي لتحقيقها؟.

الجواب:

1 - حفز الهمم للحاق بأعلام الحديث وحفاظه في الاهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه والتفقه فيه والعمل به، وتعليمه الناس ونشره ليتسنم المسلمون مكانة أسلافهم فيخرج منهم الأعلام الحفاظ والجهابذة النقاد.

2 - إبعاد شبح الكسل والخمول عن شباب الأمة الذي ينفث سمومه الكسالى وعميان البصائر وقاصري الهمم وأهل الأهواء الذين يوهمون الناس أن زمان الاهتمام بحفظ الحديث والعناية بدراسة أسانيده ونقد رواته وجرحهم وتعديلهم بل وجرح غيرهم وتعديلهم قد ولى من قرون، فعلى الأمة عند هذه الأصناف أن تنام وألا تفكر في سلوك الميادين التي كان السلف يسلكونها لأنها أصبحت في نظر هؤلاء من الميادين المهلكة أو من المستحيلات فيجب الحجر والحظر على من يسلكها أو يفكر في سلوكها.

3 - ولا يتحقق هذا إلا بتوفير وتهيئة البيئات الصالحة والحرص الشديد على تحقيق هذه الغاية.

ومن السبل إلى ذلك اختيار أصحاب المواهب والذكاء من كليات الحديث وأصول الدين ودور الحديث وغيرها وتوجيههم للعناية القوية بحفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والدراسة الجادة لعلومها وتفريغهم لذلك مع الإشراف الدقيق عليهم ومتابعتهم الجادة بالاختبارات لمدة لا تقل عن عشر سنوات وهي المدة التي يستغرقها محضري الماجستير والدكتوراة، وكم ستكون الفروق العلمية بين هذه الفئات المهتمة بدراسة السنة وعلومها وبين محضري الرسائل واضحة بادية، ولا يشغل هذه الفئات بغير ما فرغوا وهيئوا له.

4 - تهيئة عامة لسائر المسلمين لينخرط شتى أصناف الناس وخاصة الأذكياء منهم في طلب السنة وعلومها وآلاتها على حساب أنفسهم عن طريق المدارس والمساجد ويجددون النشاط في الرحلات إلى علماء السنة والتوحيد وتسهل لهم هذه الرحلات ابتغاء وجه الله وحباً في نشر الإٍسلام والسنة في أرجاء العالم.

ولتحقيق هذه الغاية أزجي إلى طلاب الحديث والسنة وغيرهم من أهل العزائم بحثاً أرجو أن يحفزهم إلى الجد في طلب العلم والعناية الكبيرة بسنة نبيهم وعلومها اقتفاءً لآثار أسلافهم الكرام من أئمة الحديث وحفاظ السنة السابقين واللاحقين القائمين بها علماً وعملاً واعتقاداً ومنهجاً ومن باب الذكرى (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).

هذا البحث اخترته لهم من " تذكرة الحفاظ ([5]) " للحافظ الذهبي، ذلكم الكتاب العظيم الذي دون فيه تراجم حفاظ السنة وأئمتها على طبقات بلغت إلى عصره إحدى وعشرين طبقة يذكر فيها أحوالهم ومروياتهم وشيوخهم وتلاميذهم.

حيث اخترت من كل طبقة أربعة أو خمسة من الحفاظ ليسهل على طلاب العلم والسنة تصور هذه الطبقات على اختلاف وامتداد عصورها.

وليدركوا مدى ترابط وتسلسل هذه الطبقات واتصال وتسلسل أسانيدها إلى يومنا هذا على قلة وغربة في الطبقات الأخيرة.

وهذا الاتصال والتسلسل مصداق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته " ولا يتحقق هذا الوصف والثناء إلا لمن يعتني بالقرآن والسنة علماً وعملاً واعتقاداً.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي وعد الله ".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015