وقال ابن عثيمين رحمه الله تعالى (ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: "أنه صلى ثلاث ركوعات في ركعة واحدة"، أخرجه مسلم، لكن هذه الرواية شاذة، ووجه شذوذها: أنها مخالفة لما اتفق عليه البخاري ومسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلى صلاة الكسوف في كل ركعة ركوعان فقط"، ومن المعلوم بالاتفاق أن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلِّ له إلا مرة واحدة فقط.
وعلى هذا فالمحفوظ أنه صلّى في كل ركعة ركوعين، وما زاد على ذلك فهو شاذ؛ لأن الثقة مخالف فيها لمن هو أرجح.
ولكن ثبت عن علي بن أبي طالب -: "أنه صلّى في كل ركعة أربع ركوعات"، وعلى هذا فيكون من سنّة الخلفاء الراشدين، وهذا ينبني على طول زمن الكسوف، فإذا علمنا أن زمن الكسوف سيطول فلا حرج من أن نصلي ثلاث ركوعات في كل ركعة، أو أربع ركوعات، كما قال المؤلف، أو خمس ركوعات؛ لأن كل ذلك ورد عن الصحابة - - وهو يرجع إلى زمن الكسوف إن طال زيدت الركوعات، وإن قصر فالاقتصار على ركوعين أولى.
وإن اقتصر على ركوعين وأطال الصلاة إذا علم أن الكسوف سيطول فهو أولى وأفضل، والكلام في الجواز، أما الأفضل فلا شك أن الأفضل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه يصلي ركوعين في كل ركعة.)
وفي كتاب مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لمحمد بن عبد الله التبريزي المباركفوري: قوله (ثمان ركعات) أي ركوعات (في أربع سجدات) يعني ركع ثمان مرات كل أربع في ركعة وسجد في كل ركعة سجدتين، وقد رواه مسلم من طريق آخر بلفظ: أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد، قال: والأخرى مثلها، والحديث يدل على أنه من جملة صفات صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة أربع ركوعات، وهو مع كونه في صحيح مسلم قد أعله البيهقي فقال (ج3 ص327) بعد روايته: وأما محمد بن إسماعيل البخاري فإنه أعرض عن هذه الروايات التي فيها خلاف رواية الجماعة، وقد روينا عن عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان، وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس – وصفه بذلك ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان وغيرهم -، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس، قال: وقد روى سليمان عن طاوس عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعا – انتهى. وفيه أن إخراج مسلم لحديث حبيب بن أبي ثابت في صحيحه دليل على أنه ثبت عنده أنه متصل وأنه لم يدلس فيه. قال النووي: ما في الصحيحين عن المدلس بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، فالحديث صحيح، وأما رواية سليمان الموقوفة فلا تعلل بها الرواية المرفوعة الصحيحة؛ لأن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى كذا قيل، وقد تقدم كلام ابن تيمية أن الصواب مع من أنكر على مسلم ونازعه في إخراجه حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع ركوعات، وأن هذا من المواضع المنتقدة بلا ريب، وبالجملة هذا الحديث وإن كان مخرجا في صحيح مسلم لكن العمل على روايات الركوعين لكونها أكثر وأصح وأشهر وأرجح، والله تعالى أعلم. (وعن علي مثل ذلك) أي وروي عنه مثل رواي ابن عباس، كذا أحاله على حديث ابن عباس ولم يذكر لفظه. وقد أسلفنا أن حديث علي في تربيع الركوع أخرجه أحمد والبيهقي عنه مرفوعا من طريق رواه مسلم.
وقد ذكر الملا علي القاري في كتابه مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:عن ابن عباس قال صلى رسول الله حين كسفت الشمس ثمان ركعات أي ركوعات في أربع سجدات
وعن علي مثل ذلك أي وروى عنه مثل رواية ابن عباس وفيه أنه إن كانت رواية علي كروايته معنى فكان على حق المؤلف أن يقول وعن علي نحوه وإن كانت روايته كروايته لفظا فكان حقه أن ينسب الحديث إلى علي ثم يقول وعن ابن عباس مثل ذلك والله أعلم
رأي ما ذكره شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه التوسل والوسيلة (ص69 - 70):
لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه بخلاف مسلم فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركوعات كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصل إلا بركوعين وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم، وقد بين ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر فقد كذب – انتهى.
وختاما
وأشكر مشايخي الكرام وطلبة العلم الطيبين على اثرائي بمعلومات كنت في غفلة عنها.
وأنا الآن سأقوم باصدار بحث علمي بعنوان (المجالس المبروكة في موقع الألوكة) وسيكون المجلس الأول -صلاة الكسوف
وأسأل الله العلي القدير أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى
وجزى الله مشايخنا الطيبين الكرام خير الجزاء وطلبة العلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
¥