ويبقى قول أبي حاتم الرازي , فالمعروف أن ابا حاتم الرازي لم يصححه , وإنما غاية الامر أنه قال كما في العلل لابنه:

((أصح حديث في هذا الباب حديث عائشة)). (4)

وهذا لايقتضي الصحة ولا التصحيح بحال , إنما يفيد المقارنة , فإن أحاديث الباب أشد ضعفا من هذا الحديث كما بينته تفصيلا في كتابي: (الايرادات العلمية على تحصيل مافات التحديث بما قيل لايصح فيه حديث)).

ثم هنا مسألة: وهي ان ابن ابي حاتم قد اورد يوسف بن ابي بردة في الجرح والتعديل

, ونقل عن أبيه أسماء الرواة عنه , ولم ينقل عنه فيه جرحا ولا تعديلا , فلو كان ثقة عنده , أو صدوقا, أو حتى صالحا , أو ضعيفا لذكر ذلك عنه , وإنما إعراضه عن إيراد الجرح والتعديل فيه دليل على انه لم يقف فيه على جرح أو تعديل , لاعن أبيه ولاعن غيره. (5)

وقد صرح في مقدمة كتابه ـ رحمه الله ـ أنه قد يذكر أسماء جماعة مهملين من حيث الجرح والتعديل , رجاء الوقوف بعد ذلك على ما ورد فيهم من جرح أو تعديل فقال:

((على أن قد ذكرنا أسماء كثيرة مهملة من الجرح والتعديل , كتبناها ليشمل الكتاب على ما رُوي عنه العلم , رجاء وجود الجرح أو التعديل فيهم , فنحن ملحقوها بهم من بعد أن شاء الله تعالى)). (6)

وعل تقدير أنه قد عرفه أبو حاتم بتعديل , فالقول , بأنه صحح حديثه يقتضي أن يكون يوسف هذا عنده ثقة , إذ إنه لا يحتج بحديث الصدوق ومن دونه , فإذا كان كذلك , فلماذا أحجم عن ذكر حاله عندما سأله ابنه عنه؟!

وأما تصحيح الذهبي لهذا الحديث , فمبني على توثيقه ليوسف بن أبي بردة , وهذا التوثيق لم يسبقه إليه أحد من المعتبرين وإنما سبقه إليه ابن حبان والرجل غير مشهور.

وإما تصحيح ابن الجارود له , فأين نص على ذلك؟ ... فإن كان تصحيحه بان أخرجه في ((منتقاه)) فليس بلازم أن يكون صحيحا , فقد أخرج ابن خزيمة حديث جماعة في ((صحيحه)) , وهم ضعفاء وأحاديثهم مردودة , هذا وقد صرح بان مادة كتابة كتابه الصحيح , فكيف بمن لم يصرح بذلك , وإنما اغتر البعض بقول الذهبي ((أحدايث (المنتقى) لاتنزل عن درجة الحسن إلا في الناذر)) (6) , فهذا كلام مجمل , وعند المحاققة ففيه جملة من الروايات الضعيفة , وأنظر إن شئت تحقيق الشيخ أبي إسحاق الحويني عليه الموسوم بـ)) غوث المكدود)). (7)

ثم أني قد وجدت بعد ذلك البزار والدار قطني يعلان الحديث بالتفرد.

فقال البزار: ((لا نعلمه يُروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد)).

وقال الدار قطني في الأفراد:

((تفرد به إسرائيل عن يوسف , وتفرد به يوسف عن أبيه , وأبوه عن عائشة)).

نقله الحافظ في تخريج الأذكار.

* ثانياً: ادعاء أن العلماء قد وقفوا على متابعات تقوية إحالة على جهالة , فهذه مصنفات الحديث اليوم مبسوطة في كل عصر ومصر , ومجموعة بين طلاب العلم , فأين هذه المتابعات المفقودة , ثم إن قول البزار والدارقطني , وقبلهم الترمذي يدل على أن الحديث ليس له حديث متابعات , نعم له عدة شواهد إلا أنها واهية جداً لا ينجبر بها ضعف ولا تقوم بها حجة.

الهوامش:

1ـ درجة الصدوق ومن في رتبته من قبيل الحسن إن انتفى عنه شرط الشذوذ أو النكارة , وهذا يتحقق بروايته مالاينكر عليه , سواء بالمخالفة أو بالتفرد بما لايحتمل

2ــ إلا انك تسمع في مثل هذا المقام قول القائل: ((إن شرط الشيخين لم يشترط غخراج كل الاحاديث الصحيحة)) , وهذا ولاشك كلام جيد صحيح , ولكنها كذلك لم يكونا يتركا حديثا في باب من الابواب المهمة كهذا الباب , لاسيما وقد خرجا بعض الاخبار الصحيحة في الذكر عند دخول الخلاء , فكان الاليق بهما إخراج ماصح في الخروج من الخلاء , فاجتماعهما على تحايد هذا الحديث وغيره يدل على ماذكرناه , فالقول الذي ذكرناه في موضع الاعتراض ليس على اطلاقه , وإنما لابد من اعتبار صنيع الشيخين في تخريج أحاديث الباب , حتى يُعلم هل يُجرى عليهما هذا القول في هذه الابواب أم لا؟.

3ــ وهذا حق فالنووي كثيرا ما يخالف الائمة في التصحيح والتحسين فيجب التنبه لهذا.

4ــ قال محقق كتاب العلل لابن أبي حاتم ((ومعلوم أن هذا ليس تصحيحا

).

5ــ كأبي زرعة.

6ـقال محقق كتاب العلل لابن أبي حاتم. بعنون كبير ((فائدة في حال الراوي المترجم له في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم بدون ذكر شيء في ترجمته جرحا أو تعديلا))

قال ابن ابي حاتم في مقدمة (الجرح والتعديل)

((على أن قد ذكرنا أسماء كثيرة مهملة من الجرح والتعديل , كتبناها ليشمل الكتاب على ما رُوي عنه العلم , رجاء وجود الجرح أو التعديل فيهم , فنحن ملحقوها بهم من بعد أن شاء الله تعالى)).

وهذا يُفهم منه أن ابن أبي حاتم لا يوثقه ولا يحكم بجهالته , وقد تكلم بعض أهل العلم فيمن هذا شأنه , فرأينا الشيخ عبدالفتاح أبو غدة في تحقيقه لكتاب ((الرفع والتكميل)) يختار أنه ثقة , وكذا الشيخ احمد شاكر في مواضع كثيرة من تحقيقاته لاسيما في تخريج وتحقيق ((مسند أحمد)) ولم أطلع على كلام لإحد من المتقدمين يدل على توثيق من هذا حاله , بل على العكس من ذلك , ففي تفسير الحافظ ابن كثير موضع يدل على أنه يرى أن من هذا حاله فهو مستور كما قال في ذكره لموسى بن جبير الأنصاري: (ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا , فهو مستور الحال)) , وهو مذهب ابن القطان كما في ((بيان الوهم والإيهام)) (3/ 390).

وزبدة هذا البحث في تأييده بصنيع ابن أبي حاتم , فانه يحكم بجهالة كثير من الرواة هاهنا في ((علل الحديث)) , وهم مذكرون الجرح والتعديل بدون جرح ولا تعديل منهم:

1 - رباح بن عبدالرحمن.

2 - عبدالله بن عبدالمطلب العجلي.

3 - عقيل بن شبيب.

4 - محمد بن خالد الوهبي.

5 - محمد بن أبراهم بن العلاء.

6 - مسور بن يزيد المالكي.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهالة هؤلاء المذكورين في الجرح والتعديل بدون ذكر شيء فيهم من جرح أو تعديل , وان لم يدل على شيء فغاية ما يقال إن المسكوت عليهم لايعد سكوتهم في جانب تقويتهم.

7ــ هذا ماجعلتني أتتبع كتاب أحكام الشيخ الحويني في احكامه على المنتقى بالضعف ومقارنتها بكلام الذهبي , ولمَ الذهبي اطلق هذه العبارة؟ وهل عبارة الذهبي صحيحة؟.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015