فهنا اختار عبدالله بن عمر كما تقدم وهو مكثر والرواة عن عبدالله بن عمر كثر لكن تجد أن هناك اثنين مكثرين عنه جدا وأغلب حديث ابن عمر يأتي من طريق هذين الاثنين ثم إن أيضا سالم ونافع. نافع روى أكثر بكثير من سالم فتعرف أصحاب سالم وأصحاب نافع وإذا عُرِفوا مئات الأحاديث نكون قد عرفناها. فهذا هو فائدة ذلك وبالتالي فإن هذا الأمر يقرب لك البعيد ويختصر لك الكثير بالقليل.
عندما ذكر سالما ونافعا ذكر أنهما اختلفا في أحاديث – طبعا سالم ونافع اتفقا في أحاديث وهذا هو الأصل و اختلفا في أحاديث – ذكر أن أهل العم في الأحاديث التي اختلفا فيها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
· قسم رجح سالما قال سالم أفقه من نافع وهو ابن لعبدالله بن عمر وأجلّ فيُقدّم.
· وقسم قدّم نافعا قال لأن نافعا كثر جدا عن عبدالله بن عمر وهو قد روى أكثر من سالم بكثير لذلك قدم نافعا، وهذا ما مال إليه الإمام أحمد.
· وقسم قال: من أتى بزيادة علم هو المقدم وهذا أيضا أحد أقوال الإمام أحمد وهذا هو الأرجح وهذا أيضا جاء عن يحيى بن معين. لماذا هذا هو الأرجح؟ لأن كلا من سالم ونافع هم أئمة أجلاء فضلاء وفي هذه الحالة من يكون عنده زيادة علم فهو المقدم. لكن لو كان أحدهما أوثق من الآخر وأضبط وأحفظ، فنقدم من؟ نقدم الأحفظ. هذا الأمر على قسمين:
· إما أن يكون هؤلاء المطلوب الترجيح بينهما كلاهما في درجة واحدة أو متقاربان من حيث الجلالة والإتقان والحفظ فهنا من عنده زيادة علم هو المقدم.
· وقسم فيهم من هو أحفظ من الآخر. مثلا أصحاب أبي إسحاق السبيعي من أصحابه شعبة والثوري ومن أصحابه أيضا إسرائيل حفيده وزهير بن معاوية وزائدة بن قدامة. أثبت هؤلاء في أبي إسحاق هو إسرائيل ولذلك اعتمد عليه البخاري في حديث أبي إسحاق. لماذا اعتمد عليه البخاري؟ لأن أبا إسحاق السبيعي تدور عليه أحاديث كثيرة جدا فعندما يعرف أبو إسحاق السبيعي وتلاميذه ومن هو المقدّم فيهم أحطنا بمجموعة كبيرة من الأحاديث وبالتالي هذا البعيد قرب وهذا المنتشر اختصر فهذه فائدة ذلك ولذلك يخطئ الآن بعض طلبة العلم في الحديث قد يبدأ بشيوخ البيهقي أو شيوخ الطبراني. أنت إذا كنت ستبدأ بشيوخ البيهقي أو بشيوخ الطبراني وتنزل بعد ذلك لشيوخ شيوخه لن ينضبط لك الأمر وتحتاج إلى وقت طويل جدا لكن ابدأ بالصحابة وهكذا ..
فكما ذكرت إذن الرواة على قسمين إما أن يكون مكثرا أو يكون مقلا هذا المكثر يُهتم به ويُعرف أصحابه ثم إن هؤلاء الأصحاب إما أن يكونوا في درجة واحدة وإما أن يكونوا في درجات متباينة فإن كانوا في درجة واحدة فعندما يختلفان يقدم من معه زيادة علم وأما إذا كانوا في درجات متباينة فالأحفظ والأوثق هو المقدم.
فمثلا في أصحاب أبي إسحاق السبيعي لو خالف زائدة بن قدامة مثلا إسرائيل أو خالف مثلا سفيان الثوري وشعبة فلا شك أن سفيان الثوري أو شعبة أو إسرائيل يقدمون على زائدة بن قدامة. لكن عندما يكون شعبة والثوري هما الذين اختلفا وليس هناك دليل واضح يبين خطأ الواحد منهما فهنا يكون من معه زيادة علم هو المقدم لأنه حفظ.
مثلا في زيادة الإمام مالك في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي e فرض صدقة الفطر صاعا من طعام على الذكر والأنثى .. إلخ. زاد الإمام مالك قال: من المسلمين فقيدها بأهل الإسلام زيادته مقبولة لأن الإمام مالكا غاية في الحفظ والإتقان وقد تابعه أيضا غيره
لكن مثلا زيادة محمد بن عوف الحمصي في حديث علي بن عياش عن شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر عن جابر "إنك لا تخلف الميعاد" هذه الزيادة شاذة لأن جمعا من الحفاظ قد رواها ولم يذكرها فهنا ينبغي الانتباه لهذا الأمر.
ثم ذكر أحاديث .. ولعلي أتكلم على واحد حتى لا يطول بنا الكلام وإلا في الحقيقة هذا الكلام الذي ذكره ابن رجب يحتاج إلى شرح أكثر من هذا والكلام على الأحاديث يحتاج أيضا. لكن لعلنا نختصر حتى نأخذ المنهج والطريقة وهذا هو الأساس. أهم شيء يهتم به الإنسان هو المنهج والأساس حتى يعرف أن يسير أنت إذا عرفت المنهج والطريقة سرت وأما إذا كنت تحفظ الجزئيات ولا تعرف المنهج والطريقة إّن إذا ما كنت تحفظ هذا من قبل فلن تعرفه لكن إذا كان عندك المنهج والطريقة فحتى لو لم تكن تعرفه من قبل عندك منهج وطريقة تسير عليها.
¥