وعلق البخاري في "صحيحه" بعضه (1/ 25/ 19 - مختصر البخاري - بقلمي).

وكنت عزوته إليه عزواً مطلقاً في تعليقي على "الإيمان"، فأوهم أنه عنده مسند أيضاً؛ فليقيد.

الثاني: عن أبي هريرة:

أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال:

"تعبد الله لا تشرك به شيئاً" (ثم ذكر صلي الله عليه وسلم الصلاة والزكاة ورمضان). قال: والذي نفسي بيده! لا أزيد على هذا شيئاً أبداً، ولا أنقص منه. فلما ولى قال النبي صلي الله عليه وسلم:

"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة؛ فلينظر إلى هذا".

أخرجه مسلم (1/ 33)، وأبو عوانة (1/ 4)، وابن منده (16/ 2).

الثالث: عن ابن عباس؛ وله عنه طريقان:

الأولى: عن سالم بن أبي الجعد عنه قال:

جاء أعرابي إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال ... الحديث نحو حديث أنس من الطريق الثاني؛ وفي آخره:

فضحك النبي صلي الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال:

"والذي نفسي بيده! لئن صدق؛ ليدخلن الجنة".

أخرجه الدارمي (1/ 165)، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (رقم 4 - بتحقيقي) عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سالم بن أبي الجعد ...

قلت: ورجال إسناده ثقات رجال البخاري؛ إلا أن عطاء بن السائب كان اختلط.

والأخرى: عن كريب مولى ابن عباس عنه نحوه؛ وفيه تسمية الرجل بـ: (ضمام ابن ثعلبة)؛ وفيه قال:

ثم قال: لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم حين ولى:

"إن يصدق ذو العقيصتين؛ يدخل الجنة".

أخرجه الدارمي، وأحمد (1/ 250،264) من طريق محمد بن إسحاق: حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عنه.

قلت: وهذا إسناد حسن. وسكت عليه الحافظ (1/ 161) مشيراً بذلك إلى تقويته.

وقد جاءت تسميته بـ: (ضمام بن ثعلبة) في طريق ثالثة عن أنس بن مالك؛ نحو الطريق الثاني عنه باختصار بلفظ:

فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنبأنا رسول من ورائي من قومي، وأنبأنا ضمام ابن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.

أخرجه البخاري (50 - المختصر)، والنسائي (1/ 297)، وأحمد (3/ 168)، وابن منده من طريق عن الليث عن سعيد عن شريك بن أبي نمر أنه سمع أنس ابن مالك.

وإسناده على شرط الشيخين؛ على ضعف في شريك هذا.

وبالجملة؛ فهذه شواهد ثلاثة لحديث مالك؛ من رواية أنس وابن عباس وأبي هريرة، لم يرد فيها تلك الزيادة:

"وأبيه"، فدل ذلك على أنها زيادة شاذة غير محفوظة.

ومما لا شك فيه أن الاستشهاد المذكور، إنما هو باعتبار أن الحادثة واحدة في الأحاديث الأربعة، وهو الذي صرح به ابن بطال وآخرون في خصوص الحديثين الأولين: حديث طلحة، وحديث أنس، فجزموا بأن الرجل المبهم في الحديث الأول: هو ضمام بن ثعلبة المصرح به في بعض طرق الحديث الثاني، وحديث ابن عباس أيضاً الثالث. قال الحافظ في "الفتح" (1/ 88):

"والحامل لهم على ذلك: إيراد مسلم لقصته عقب حديث طلحة، ولأن في كل منهما أنه بدوي، وأن كلاً منهما قال في آخر حديثه: لا أزيد على هذا ولا أنقص".

قلت: وكذلك في حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة كما تقدم؛ فهي أحاديث أربعة، تتحدث عن قصة واحدة، فإذا تفرد أحد الرواة عنهم بشيء دون الآخرين؛ قام في النفس مانع من قبولها، لا سيما إذا اختلف عليه في ذلك؛ كهذه الزيادة: "وأبيه"؛ لأنه يلزم من قبولها توهيم الرواة الآخرين، ونسبتهم إلى قلة الضبط والحفظ. وإذا كان لا بد من ذلك؛ فنسبة الفرد الواحد إلى ذلك أولى، كما لا يخفى على أولي النهى.

وأما ما ذكره الحافظ عن القرطبي؛ أنه تعقب جزم ابن بطال المتقدم؛ بأن سياق حديث طلحة وأنس، مختلف، وأسئلتهما متباينة! فالجواب:

أنه لا اختلاف ولا تباين في الحقيقة؛ وإنما هو الاختصار من بعض الرواة حسب المناسبات؛ ألا ترى إلى حديث أنس من الطريق الأولى كم هو مختصر عنه في الطريق الأخرى؟! فهل يقول قائل: إنهما يتحدثان عن قصتين مختلفتين؛ لتباين الأسئلة فيهما؟! وكذلك يقال عن حديث ابن عباس في طريقيه!

فإذا كان هذا الاختلاف في حديث الرواي الواحد لا يدل على تعدد القصة؛ فأولى أن لا يدل عليه الاختلاف في حديث راويين مختلفين. وهذه هي طريقة العلماء المحققين.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015