وإذا لم يكن هذا كافياً في ترجيح رواية الأكثر عن عمارة بن القعقاع؛ فلا أقل من التوقف في ترجيح رواية شريك وابن فضيل المخالفة لهم.

ولكن الأمر ينعكس تماماً حينما نجد لعمارة متابعين عن أبي زرعة، لم يذكروا في الحديث الحلف مطلقاً، وهما:

1 - عبدالله بن شبرمة عن أبي زرعة بن عمرو عن أبي هريرة بالقضية الأولى.

أخرجه مسلم، وأحمد (2/ 327 - 328)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (5)، وابن عدي في "الكامل" (6/ 2241) من طرق عنه.

2 - يحيى بن أيوب: حدثنا أبو زرعة به.

أخرجه عبدالله بن المبارك في "البر والصلة" رقم (6)، وعنه أحمد (2/ 402)، والبخاري في "الأدب" (6).

وسنده صحيح على شرط الشيخين.

وعلقه - مع الذي قبله - البخاري في "صحيحه" بصيغة الجزم.

قلت: فاتفاق هذين الثقتين - مع رواية الأكثر عن عمارة - لا يدع شكاً في أن روايتهم هي الأرجح.

(/1)

---

ومن ذلك؛ يتبين أن زيادة الحلف بالأب في هذا الحديث زيادة شاذة غير محفوظة.

وإن مما يؤكد ذلك: أن الحديث قد جاء من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، مثل رواية الجماعة عن أبي زرعة ... ليس فيه الحلف بالأب.

أخرجه ابن المبارك (رقم 5)، والبخاري في "الأدب المفرد" (3)، وعبدالرزاق في "المصنف" (20121)، وغيرهم، وحسنه الترمذي، وهو مخرج في "المشكاة"، و"الإرواء" (837،2170).

واعلم أن الغرض من هذا البحث إنما هو مجرد التثبت من هذه الزيادة؛ هل صحت عن النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الحديث بالذات أم لا؟ وليس لأنه معارض للأحاديث الكثيرة المصرحة بالنهي عن الحلف بغير الله؛ فإنه لو صح فالجواب عنه معروف من وجوه ذكرها الحافظ وغيره، ويكفي في ذلك قاعدة: (القول مقدم على الفعل عند التعارض).

ولقد أوحى إلي هذا البحث وجوب إعادة النظر في الزيادة المشابهة لهذه؛ والتي وقعت في حديث طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه قال:

جاء رجل (وفي رواية: أعرابي) إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا؛ فإذا هو يسأل عن الإسلام (وفي رواية: فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة)؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:

"خمس صلوات في اليوم والليلة". فقال: هل علي غيرها؟ قال:

"لا؛ إلا أن تطوع". (قلت: ثم سأل عن الصيام والزكاة، وفيه) فأخبره رسول الله صلي الله عليه وسلم بشرائع الإسلام، قال: هل علي غيرها؟ قال:

"لا؛ إلا أن تطوع". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله! لا أزيد على هذا ولا أنقص [مما فرض الله علي شيئاً]! فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم:

"أفلح إن صدق".

أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" - والسياق للبخاري، مع رواياته وزياداته حسبما جاء في كتابي "مختصر البخاري" رقم (36) -؛ أخرجاه من طريق مالك عن أبي سهيل عن أبيه عن طلحة ...

وكذلك أخرجه أبو داود وغيره عن مالك، وهو مخرج في كتابي "صحيح أبي داود" برقم (414).

وقد تابعه إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل به.

أخرجاه أيضاً من حديث قتيبة بن سعيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر به.

أخرجه البخاري في موضعين (4/ 82 و 12/ 278) عن قتيبة به.

وأما مسلم فقال: حدثني يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد جميعاً عن إسماعيل بن جعفر ... لم يسق الحديث؛ وإنما قال:

بهذا الحديث، نحو حديث مالك؛ غير أنه قال: فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أفلح - وأبيه! - إن صدق". أو: "دخل الجنة - وأبيه! - إن صدق".

قلت: فزاد في الحديث: "وأبيه"، مع تردده في قوله: "أفلح"، أو: "دخل الجنة"!

وظاهره أنه من يحيى وقتيبة معاً؛ وعليه؛ فقد وقع فيه خلاف حول هذه الزيادة بين ثلاث طوائف:

الأولى: البخاري ومسلم؛ في روايتهما عن قتيبة بن سعيد.

الثانية: بين قتيبة وغيره من جهة، ويحيى بن أيوب وغيره من جهة أخرى؛ في الرواية عن إسماعيل بن جعفر.

الثالثة: بين مالك وإسماعيل بن جعفر.

وبيان هذا الإجمال على ما يلي:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015