إلا أن هذه المكانة للشناقطة لا يعرفها أو يعترف بها إلا من يقدر على تقويمها وإدراك أهميتها، فـ "قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم".

ولئن لم يشأ كاتبُ "الشرق الأوسط" الفاضلُ أن يمثل في العلم والفهم والتأثير بمن هم أشهر وأبلغ أثراً من العالمين الجليلين اللذين ذكرهما؛ حرصاً – في ظنه – على نماذج لم تتربَّ في العلم على أيدي الشناقطة، فقد خانه علمه في هذه بما هو معروف من سيرتيهما رحمهما الله.

ولئن كان علماء الشناقطة – في الغالب – يفضلون "صناعة الرجال" على "صناعة الكتب" إيثاراً لمنهج التربية الإسلامية الأصيل بنصب القدوات والتدريب اللازم لصناعة الرجال، بدلاً من مئات آلاف النسخ الورقية التي لا تقوّم معوجّاً، ولا تصحح مساراً، فإنك لا تكاد تجد (رجلا) بارزاً في مجال من المجالات العلمية إلا رأيت أثر الشناقطة في علمه وعمله وسلوكه، فمن يجهل العلامة عبد السلام هارون، أو محمد فؤاد عبد الباقي، أو محمد عبد الحي الكتاني، أو حسن مشاط، أو علوي المالكي، أو المفتي محمد بن إبراهيم،أو ابن باز، أو عطية سالم، أو محمد طاهر الكردي، أو حتى من مثّل بهما الكاتب: الشيخان السعدي والألباني؟ والقائمة تطول، و"لا تحزن" أيها الفاضل إن لم أتبرع بإطلاعك على مصادر علاقة هؤلاء بأشياخهم الشناقطة؛ إذ ذاك معروف عند "حفظة المتون" وباستطاعة الممارس الوصول إليه بلا كلفة.

ولا أظنني بحاجة إلى جمع أقوال العلماء في شتى العصور في الحث على حفظ المتون، بل ما علم المسلمون التزهيد في ذلك إلا بألسنة وأقلام العلمانيين المسيطرين على الصحافة والإعلام في هذا العصر العجيب!

أما النحول والصفرة والشحوب فما علمَها حفظةُ المتون مثالبَ في الرجال، ولا كان عمرُو بن كلثوم عندما قال: "ومأكمة يضيق الباب عنها" ولا امرؤ القيس عندما قال: "مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل" يمدحان (رجلاً)!

ولو أني ذكرت من تجديد وفهم علماء الشناقطة المتربين على "حفظ المتون" نماذجَ بعيدةً عن الأضواء لا يعرف "أهل الإعلام" عنها الكثير لصدق فيّ مثلُنا الشعبي القائل: (من أراد الكذب فليبعد شهوده) فلأذكر – للتمثيل – الإمام القدوة "المجدد" بشهادة أهل العلم لا بإبراز الإعلام: الشيخ محمد الحسن بن الددو، الذي رأيت لكاتب "الشرق الأوسط" الفاضل مدحاً له قبل أن يستلم عموده فيها معترفاً بعلمه وفضله بقوله فيما يسميه شعراً:

وَمحَمَّدُ الْحَسَنُ الْمُورِيتَانِي فِي جَمْعِ الْفُنونِ وَدِقَّةِ الإِتْقَانِ وَلَهُ جَزَاهُ اللَّهُ خَيراً هِمَّةٌ تَرْ بُو عَلَى الْمِرِّيخَ أَو كِيوَانِ فَإِذَا تَرَبَّعَ لِلْحَدِيثِ حَسِبْتَهُ حَمَّادَ يَرْوي النَّقْلَ عَنْ سُفْيَانِ وَإِذا أَردتَ النَّحْوَ فَالزَّجَّاجُ فِي حُسْنِ الْكَلامِ وَروْعَةِ التَّبْيَانِ وَلَهُ التَّدَفُّقُ فِي الْبلاغَةِ مُحْسِناً مَاكَانَ بِالْوَانِي وَلا الْمُتَوَانِي وَالْحِفْظُ سُبْحَانَ الَّذِي أَعْطَاهُ مِنْ فَيْضِ النُّصُوصِ وَقُوَّةُ الْبُرْهَانِ والْفِقْهُ فُصِّلَ فِي غُضُونِ كَلامِهِ فَكَأَنَّهُ شَيْخُ الَتُّقَى الْحَرَّانِي قَدْ زَانَهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ بِحُلَّةٍ من أَجْمَلِ الأَخَلاقِ وَالإِحْسَانِ فَبَشَاشَةٌ أَخَّاذَةٌ وَتَواضَعٌ يَسْبِي النُّفُوسَ بِغُصْنِهِ الْفَيْنانِ مَعْ أَنَّهُ مَا شَعَّ شَيْباً رَأْسُهُ وَلَهُ ثَلاثُونَ خَلَتْ ثِنَتَانِ لَوْلا الْعَوَاذِلُ قُلْتُ: أَحْفَظُ عَصْرِنَا وَسِوَاه مِن حُفَّاظِنَا اِثْنَانِ لَكِنَّهُ عِندِي أَحَبُّ لِدِينِهِ وَكَمَالِ غَيْرَتِهِ عَلَى الإِخْوَانِ وَسَلامَةٍ فِي صَدْرِهِ وَتَعَفُّفٍ عَنْ عِرْضِ كُلِّ مُوَحِّدٍ رَبَّانِي

ـ[أبو المظفر الشافعي]ــــــــ[21 - Oct-2010, صباحاً 01:45]ـ

أخواني الكرام.

قد فتح الله تعالى علي بقاعدة استنبطتها من حال كثير ممن يُعدون طلاب علم. وهي:

إذا رأيت طالب العلم مشغولاً بالدعاوي العريضة فاعلم أنّه ليس لديه إلا الكلام.

أما طالب العلم الحقيقي فإنّه يعمل بصمت ولا يتفلسف - إن صح التعبير.

كنا مرة في أحد المجالس عند أحد من يعده الناس من العلماء!! - وأنا أعرف هذا الشخص قد تمر عليه السنة كاملة لم يختم كتاباً- فلما أخذنا في الحديث عن الكتب وطبعاتها قال: ليس المهم جمع الكتب المهم القراءة!! فرد عليه صاحبي قائلاً: ولكن فلان - الحاضر معنا - كثير القراءة. فأجابه: وليست القراءة وحدها هدف وإنما نفع الناس بالكتابة والتأليف.

والسؤال: ماذا فعل هذا الشخص مع هذه الدعاوي العريضة؟!!!

وسمعت مرة أحد المحسوبين على طلاب العلم - وهو لا يعرف من الفروع الفقهية إلا اقل مما يعرفه بعض العوام - يقول:

لماذا تتعبون أنفسكم بدراسة الكتب الفقهية وحفظ الفروع؟ لماذا لانحفظ القواعد الفقهية ونبني عليها ونستنبط منها نحن؟

فماذا أنتج هذا الرجل؟ هل يا ترى أصبحى فقيهاً؟!!

وأيضاً: ماذا قدم عايض القرني في فهم الكتاب والسنة؟!!

ولوسلمنا ...

هل قدم عايض في فهم الكتاب كما قدم الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان وهو قد ملأ كتابه بأبيات الكافية والخلاصة لابن مالك ومراقي السعود وغيرها من المتون التي استهزأ بها الشيخ عايض.

هنيئاً للشيخ القرني فقد أتى بما لم تستطعه الأوائل!!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015