فالعلم لابد فيه من الحفظ لمتونه، فإذا كان الإنسان فاهماً لكل شيء ولكنه لا يحفظه فهو بذلك يكون آلة فقط، ليس معه رصيد ولا أساس، فهو مثل جهاز الهاتف الذي ليس له شريحة؛ فلذلك لابد أن يحفظ الإنسان متون العلم وكتبه، ولاحظوا أن الذين يحفظون القرآن يتميزون على من سواهم فهم أولى بالإمامة، (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهم أولى كذلك بالتقدم في أمر الدين: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)،
والذين يحفظون السنن، ويحفظون كتب العلم، هم الذين يحفظونه على الأمة، وهم الذين مثل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقعة التي أمسكت الماء على الناس فسقوا ورعوا وزرعوا، وهذه لاشك أنفع وأكثر فائدة من غيرها؛ ولذلك فإن الشافعي ( http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=975&ftp=alam&id=1000032&spid=975) رحمه الله يقول: علمي معي حيث ما يممت يتبعني قلبي وعاء له لا جوف صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق وابن حزم ( http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=975&ftp=alam&id=1000037&spid=975) رحمه الله يقول: فإن يحرقوا القرطاس لا يحرق الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري فحفظ العلم والمذاكرة فيه حتى يرسخ في النفوس من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب حتى يصعد بها.
الفهم
الجناح الرابع من هذه الأجنحة هو:
الفهم،
وهذا الفهم قسمان: قسم فطري خلقي، فالقرائح يخلقها الله كما يخلق أبدان الناس، فيركب في كل إنسان منها ما شاء، والقسم الثاني: مكتسب، فالإنسان بربطه بين المعلومات بتسلسلها، ومجالسته للناس، وازدياده من العلم يزداد فهماً فيه؛ ولذلك فإن كثيراً من الذين كانوا من أهل العلم في المرويات إذا وصلوا إلى التطبيق يقعون في أخطاء، ما لم يشاهدوا أهل التطبيق، فأبو حنيفة ( http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=975&ftp=alam&id=1000685&spid=975) رحمه الله -وهو من هو في جلالة قدره في العلم، وكان سيد أهل العراق وإمامهم في عصره-ذهب إلى مكة يريد الحج، فجاءه طفل صغير من أهل مكة، فقال له: هل لك فيمن يدلك على مناسكك مقابل درهم أو شيء يسير جداً؟ قال: لا حاجة بي إليك، فجعل الطفل يتبعه، فلما دخل المسجد الحرام أراد أن يحيي المسجد بركعتين، فقال الطفل: ما أجهل هذا الشيخ بالسنة! ألا يعلم أن تحية مسجد مكة الطواف؟ فكانت واحدة. ثم بعد هذا أراد الطواف فما عرف من أي أركان البيت يبدأ، ما عرف ركن الحجر، فجاءه الصبي فقال: ما أجهل هذا الشيخ بالسنة! ألا تدري أن الطواف يبتدئ من ركن الحجر؟! ثم بعد أن أنهى الطواف أراد أن يذهب إلى الصفا فما عرف مكان الصفا، فإذا بالصبي هو الذي يدله على ذلك، ثم كان يظن أن السعي مثل الطواف، الشوطان شوط واحد، من الصفا إلى الصفا شوط واحد، فدله الصبي أن الشوط من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر. ثم بعد أن أنهى سعيه جاء إلى الحلاق، فجعل يساومه بكم يحلق له، فالصبي دله على أن هذا من الأمور التي لا تنبغي المساومة فيها، فهو نسك وعبادة، فكانت الأخرى. ثم ولاه جانبه الأيسر فقال له الصبي: وله جانبك الأيمن، ففعل، فأعطى الصبي المبلغ وأضعافه؛ لأنه دله على هذه الأمور التي كان يجهلها من ناحية التطبيق، مع أنه عالم بها وبتفاصيلها، لكنه من ناحية التطبيق خفيت عليه،
فاستفاد من علم هذا الصبي الصغير. وجانب الفهم المكتسب يزيده التعبد لله سبحانه وتعالى، فالإكثار من ذكر الله يزيد البصيرة نوراً، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=975&ftp=alam&id=1000006&spid=975) رحمه الله: إنه لتستغلق علي المسألة فأجلس وأذكر الله فتفتح لي، وكان يجلس فيكثر من الاستغفار إكثاراً شديداً ويقول: يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، فيسهل ما استغلق عليه من المسائل. فهذا الفهم المكتسب من أسبابه التعلم والمراجعة والمذاكرة ومجالسة أهل العلم، والتطبيق للمسائل العلمية.
الشيخ الناصح
الجناح الخامس من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب:
¥