ولو حدث لك هذا فاعلم أنك هلكت، ثم هلكت،ثم هلكت، من ذا الذي من خلق الله يسلم من الخطأ؟ سل نفسك، فإياك ان تكون بداية طريقك اسقاط العلماء، إنما بعد أن تستوي في العلم، انظر، وحينها أجزم لك أنك لن تتجرأ لحظة في الكلام في أهل العلم بإسقاطهم كلهم، وستعرف أنك كلما أبحرت في بحور العلم أنك لن تنتهي أبدا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
وأنصحك أن تقرأ مقدمة الشيخ محمود محمد شاكر _ رحمه الله _ لكتاب أسرار البلاغة وستعرف معنى كلامي هذا جيدا.
المهم شيخنا الثاني على سعة علمه، وقوله لنا أننا من طلاب العلم، ما علّمنا لا فقها، ولا عقيدة، ولا لغة، ولا حديثا، ولا ولا ولا، سوى أن هدم ثقتنا في العلماء على مر الزمان، وقد طلبت منه بعد مرور الوقت أن علمنا كذا وكذا، فقال بالحرف الواحد " الأشياء التي أحبها لا أستطيع أن أعلّمها "، إذا فالطريق إلى الله موصد إلا من خلاله، وهذا ما وقعنا فيه في أول الأمر، ثم شاء الله أن أفقنا، ولكن مهدمين، لا طاقة لنا على مواصلة السير، إذ أين الطريق، وهذا الرجل الذي هو من أهل العلم، فعل بنا ما فعل، فكيف نثق بغيره؟؟
وإلى الله المشتكى وعنده اللقاء يوم الحساب.
أطلت عليكم، والخلاصة فيما يأتي:
1 – لابد أن تخلص النية لله، وأعلم أن الله يفعل ما يشاء، فاسلك الطريق فإن وصلت إلى ما تريد فاحمد الله، وإن لم تصل فواصل السير، فالطريق إلى الله لا يوصد إلا عند خروج الشمس من مغربها.
2 – إياك أن تهمل القرآن، فهو أول طريق العلم، ووسطه وآخره، وبه فابدأ لئلا تتعطل كثيرا.
3 – تمهل جدا قبل أن تختار الشيخ الذي ستطلب عليه العلم، وما قصصته عليك يكفي في التمهل.
4 – اتفق مع شيخك بأدب ماذا سنتعلم؟ وكم المدة تقريبا؟، أنا لا أتكلم على ترك ملازمة الشيخ، بل على الكتاب الذي سيشرحه، كم يأخذ من الوقت لتعرف أين أنت، أما ملازمة شيخك إلى أن يموت فلابد منها، لكن بعد الاختيار الصحيح للشيخ؟
5 – إياك أن يكون طريقك هو الصعود على أكتاف الآخرين، والتعلم فيهم، كما فُعل بنا.
6 – إنما العلم الخشية، فانظر هل ما تعلمته قربك من الله، وإلا فراجع نفسك قبل أن يمر العمر.
7 – إذا وجدت من شيخك أنه يتكلم في الآخرين ويطعن فيهم في غيبتهم، وإذا ما جالسهم هش وبش، فاحذر مما يقول، وارمه خلف ظهرك، وكأنك لم تسمع شيئا، وحاول أن تتعلم منه ما يحسن، وادع الله أن يجنبك الزلل.
8 – إذا وجدت من شيخك أنه بدأ يتكلم فيما أنت متأكد أنه لا يحسنه، فاطرح ما يقوله في هذا الذي لا يحسنه، اطرحه كله جملة وتفصيلا.
9 – لا تغتر بانشغال الشيخ عن المستحبات و النوافل وغيرها، وتقول مذاكرة مسألة خير من صلاة النافلة، لا تقل هذا، فالشافعي وهو الذي ينسب له هذا القول، قال في الرسالة بعد أن قرر أن فرضية قيام الليل قد نُسخَت، قال " ولا أحب لك أن تترك ذلك إن شاء الله ".
10 – حاسب نفسك كل فترة ما الذي أتقنته مما تعلمته، ولا يكن همك كثرة الكتب التى مررت بما فيها ولم تستوعبها، بل اتقان باب خير من كتاب لم تتقنه.
11 – احذر من القفز في طلب العلم، نعم، فشيخنا الذي أسقط لنا العلماء المعاصرين، وغيرهم، لما سألناه، وكيف نبحث، قال عليك بكلام الخليل بن أحمد، وسيبويه، وكتب شيخ الإسلام، وعد لنا من كتب الأكابر، وصدق، لكن هل نصلح للقراءة في كتب من سبق مباشرة، أستطيع أن أجزم، لا ولا ثم لا، ولم؟، لأنك لن تدرك معاني كثير مما يقولون، وإن كنت فهمت مفردات الألفاظ، إذا فلابد من صعود درجات السلم واحدة واحدة، حتى لا تسقط وأنت تقفز، وسقطة سلم العلم مهلكة.
12 – لا تتعالم على أحد، فكثير هم أدعياء العلم، وأدهشك بأن شيخي الأول نجم لفضائية من الفضائيات اليوم، وهو من علمائها المبرزين، وفي الأصل شيخه كتب تسهيل العلم، لكن هل هذا هو العلم؟.
13 – اعلم أخي في الله، أن كتب أهل العلم الذين سهلوا الطلب، لا تخرج عالما على الجادة، بل لا يحسن التكلم إلا فيما قرأه من هذا الكتاب وفقط، أو ما شابه طريقته، لكن لو أحببت القراءة بعد ذلك في كتب المتقدمين، فلن تحسن القراءة ولا الفهم.
14 – إذا فهذه الكتب التي سهلت طلب العلم، إنما هي مرحلة على الطريق، لتوضح لك الطريق اجمالا، وتعرف مصطلحات أهل العلم، ليس أكثر من ذلك، أما أن تتربى عليها، وتصير هي زادك، ومنتهاك، فأنت إلى العوام أقرب منك إلى غيرهم، فجزى الله هؤلاء العلماء الذين سهلوا للناس الدخول في طريق العلم، وهذا كان هدفهم، ولم يكن هدفهم أن يتخرج العلماء على كتبهم، إنما هي مرحلة قصيرة فحسب، حسبما يرى الشيخ الفاهم الذي أحسنت اختياره.
15 – لا تفتر عن الدعاء والتذلل لربك ومولاك، أن يبصرك الطريق إليه، فبغيره لن تصل أبدا.
لعلكم أدركتم لماذا ابتدأت بقوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، فالشيخ التقي يحرص على أن تفطم، بعد أن تقضي معه مرحلة الرضاع، ويفرح بك يوم تفطم، كوالدك تماما، بل أكثر، أما الآخر فيحرص على أن تظل رضيعا، حتى يجرى العلم في عقله وفهمه، وما دمت رضيعا فلن تفارقه، أما إذا فطمت فستبحث عن مصدر آخر للطعام، وحينها يجف , فلابد أن تظل رضيعا.
... تنبيه
ليس لهذا علاقة بتفسير الآيه، إنما لما قرأتها تذكرت حالي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أحسن الله إليكم وجزاكم خيرا.