{وهذا كما يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين وفي تصانيفهم إذا احتج عليهم محتج بمن قتله النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر بقتله؛ كقتله اليهودي الذي رض رأس الجارية وكإهداره لدم السابة التي سبته وكانت معاهدة وكأمره بقتل اللوطي ونحو ذلك. قالوا: هذا يعمله سياسة فيقال. لهم: هذه السياسة: إن قلتم هي مشروعة لنا فهي حق؛ وهي سياسة شرعية وإن قلتم: ليست مشروعة لنا فهذه مخالفة للسنة. ثم قول القائل بعد هذا سياسة: إما أن يريد أن الناس يساسون بشريعة الإسلام أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام. فإن قيل بالأول فذلك من الدين وإن قيل بالثاني فهو الخطأ. ولكن منشأ هذا الخطأ أن مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسياسة خلفائه الراشدين. وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: {إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام نبي. وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء يكثرون؛ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أوفوا بيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم} فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة: احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة. والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات؟ والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك. وكذلك كانت الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل المدينة يكون فيها من الحكم بالعدل ما ليس في غيرها من جعل صاحب الحرب متبعا لصاحب الكتاب ما لا يكون في الأمصار التي ظهر فيها مذهب أهل العراق ومن اتبعهم حيث يكون في هذه والي الحرب غير متبع لصاحب العلم وقد قال الله تعالى في كتابه: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم} الآية فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر {وكفى بربك هاديا ونصيرا}.
ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب. فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما وأهل المدينة أولى الأمصار بمثل ذلك. أما على عهد الخلفاء الراشدين فكان الأمر كذلك وأما بعدهم فهم في ذلك أرجح من غيرهم. وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه: كان دين من هو كذلك بحسب ذلك ... } مجموع الفتاوى [20/ 391 - 393] هذا ما أشرتُ إليه من قبل، أثر في مسيرة الفقه الإسلامي، والله المستعان ..
أرجوا من أخي أبي القاسم وبقية الإخوة تأمل هذا الكلام وإفادتي بما لديهم ..