ـ[العاصمي من الجزائر]ــــــــ[20 - Sep-2010, مساء 04:23]ـ
محاضرة افتتحت بها دورة علمية أقيمت بمسجد الفتح بباب الوادي في ربيع الثاني 1418 الموافق لشهر أوت 1997).
الفصل الأول: تعديد الحلقات وتقليل الفنون
من أسباب نجاح الطالب في دراسته وتحصيله للعلم: عدم الإكثار من الفنون، فيطلب فنا بعد فن، وقد قالوا: «من طلب العلم جملة ذهب عنه جملة»، والأفضل في ذلك تفرغه لفن واحد حتى ينتهي من مقرر فيه، ثم ينتقل إلى فن آخر، لأن ذلك أجمع للقلب وأربح للوقت، إلا إذا وجد من يدرس فنين في زمن واحد، ورأى من نفسه قدرة على الاستيعاب فلا بأس بالجمع بينهما. وتتأكد هذه الأفضلية إذا كانت الحلقات في الفن الواحد مكثفة متعدّدة، وتعديد الحلقات في الأسبوع الواحد خاصة بالنسبة للحلقات التكوينية ضروري جدا.
قال ابن خلدون رحمه الله:» وكذلك ينبغي لك أن لا تُطوِّل على المتعلم في الفن الواحد والكتاب الواحد بتقطيع المجالس وتفريق ما بينها، لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة بتفريقها. وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة ففيه مجانبة النسيان وكانت الملكة أيسر حصولا وأحكم ارتباطا وأقرب صبغة، لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه .. «(1).
وأزيد أمرا آخر يخص شباب أهل الزمان؛ وهو أن طول مدة الحلقات مظنة انقطاعهم وعدم مواصلتهم، إذ كثير منهم يتحمّس لطلب العلم عموما أو لذلك العلم بعينه؛ ولكن بُعدُ ما بين الحلقتين، وكثرة الشواغل بين الموعدين أمران كفيلان بإبراد ذلك الحماس، خاصة إذا كان الشيخ يدرس كتابا على الطريقة القديمة، أو كان يكثر الإملاء دون الشرح، أو يجمع المسائل ويسردها دون تصفية وتمحيص؛ فيمكث الشهر والشهرين في المسألة الواحدة دون تقدم، ويشرح المختصر ذي الورقات في عدد من السنوات …الخ.
ثم قال ابن خلدون رحمه الله تعالى:» ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معا، فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منها، لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان جميعا ويستعصيان ويعود منهما بالخيبة، وإذا تفرغ الفكر لتعلم ما هو بسبيله مقتصرا عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله «(2).
أقول هذا الذي ينبغي أن يكون؛ تعديد الحلقات من طرف المدرسين، وتقليل الفنون بالنسبة للدارسين، ومن الخطأ في الفهم أن يقتصر الطالب على دراسة فن يدرس مرة واحدة في الأسبوع مثلا، ثم يقول:» هذا هو المنهج» «ومن طلب العلم جملة ذهب عنه جملة»!!، لأن هذا الأمر مرتبط بتدريس ودراسة هذا الفن يوميا، بالنسبة للمتفرغ لطلب العلم.
وكذلك بالنسبة للعلوم التي يريد الطالب أن يتوسع فيها لوحده بحثا أو مطالعة، فعليه أن ينصرف إلى فن واحد، وهو هنا أمير نفسه، يعكف على هذا العلم أطول مدة ممكنة أو حتى يتم ما أراده من مقررات، والله أعلم.
الفصل الثاني: ضوابط في دراسة الكتب المختارة للمبتدئ
من الأمور التي كان ينبغي أن تكون مسهلة للطلاب ودافعة لهم أن يتقدموا في طلب العلم في غياب الحلق والموجهين، تلك البرامج التي ينصح بها بعض العلماء وطلبة العلم، ولكن قد يُصيرُّها الطلبة المبتدئون في كثير من الأحيان من أكبر العوائق، وسبب ذلك نشرها دون أن يصحبها نصح أو توجيه أو تقييد أو إيضاح، فأصبح الواحد منهم يشرع في اتباع أول برنامج حصل عليه، فيحاول عبثا دراسة كل الفنون دفعة واحدة.
وإذا لم يجد الكتاب المذكور في ذلك البرنامج مكث الشهور أو قل السنوات ينتظر الحصول عليه ليطلب ذلك العلم، وإذا حصّل على برنامج مخالف للذي هو بين يديه وقد شرع فيه اضطرب وتساءل أيهما أصوب، وربما انتقل إلى الجديد منهما، وهذه آفة يعاني -وعانى -منها الكثير من الشباب الذين يريدون -أو أرادوا- أن يطلبوا العلم.
ومن جملة الضوابط التي ينبغي مراعاتها لتحصيل فائدتها ما يلي:
¥