ولهم في ذلك قصص رمزية ليس هذا موضعها , وسأمثل على كلامي هذا بشيء يوضحه ويبسطه أكثر: حصل لك شيءٌ معين في يومٍ ما , ولنفرض أنك جئت لطريق معينة مؤدية إلى بيتك , وكانت الطريق مليئة بالأحجار والأشواك , ولم تكن عرفت الطريق من قبل , فعبرت هذا الطريق بأن قطعت الأشواك التي أمامك وسرت , وهكذا اكتسبت خبرة في القطع لم تمر عليك من قبل , وبقيت هذه الخبرة في ذهنك , ثم جاء صديق لك يوماً من طريق أخرى ثانية, وكان قد سمع منك قصة وطريقة قطعك للشوك , فوجد شوكاً من نوعٍ آخر يشبه الشوك القديم في الشكل , فلما همّ بقطعه لم يسطع مع أنك نفذ نفس ما نفذته سابقاً, ولكنه كان يفقد قوة داخلية! وسبب ذلك أن الشكل واحد , ولكن الحالة تغيرت. فعليك أن تلبس لكل حالة لبوسها , وعليك أن تأخذ الفكرة من الخبرة السابقة , وتضيف عليها خصوصيتك في هذه المهمة الجديدة.
وهكذا في كل خبرة تواجهك في حياتك , وكل خبرة تسمعها من شخص آخر , عليك أن تستفيد منها , لا أن تطبقها بحذافيرها , خاصة إن كانت من شخص آخر.
وهذا الكتب كما ذكرت هي في الأصل خبرات سابقة مطبقة , فلنتعامل معها كما سبقت الإشارة إليه؛ بالاستفادة مما فيها , ومحاولة تطبيق ما فيها , وإن لم يستفد المرءُ منها فائدة عملية , فيكفي أنها تعيد في همته نشاط الطلب , وتبعثه على معاتبة نفسه وكدّها في ذلك الطريق الطويل.
فليقرأ طالب العلم هذه الكتب , ثم ليتخير ما يناسبه منها , ولا بد أن يضيف عليها رونقه الخاص الذي يمكّنه من مسايرتها , وإلا فسيصبح أسير المنهجيات العلمية النظرية.
وإنك إن بحثت ونقبت في سير العلماء المبرزين , لن تجدهم لزموا طريقة واحدة في الطلب , فلكل واحدٍ منهم طريقته ومنهجيته الخاصة , والاختلاف في ذلك من آيات الله في خلقه.
فقد يذهب أصحاب المنهجيات العلمية الذين برّزوا في علوم الغاية كالعقيدة والحديث والفقه إلى أن الطالب تكفيه في دراسة النحو –مثلاً- الآجرومية , ولكنك إن ذهبت لآخر مبرّزٍ في نفس العلوم سيقول لك: أقل شيء يكفي الطالب لدراسة النحو والإلمام بقواعده هي الألفية! وقِسْ على قولي تكن علامة.
ولا يجعل طالب العلم المبتدئ بدءه في خطة معينة عائقاً عن قراءة ما يقع في يده من كتب المنهجيات العلمية لمن عرفوا بالتحرير والدقة العلمية = خوفاً من أن تصرفه عن هذه الخطة لخطة أخرى , لأن المرونة في وضع الخطة هي أهم أسباب نجاحها , فليزم خطته الأصلية , وإن بدا له شيء جديد أفاده من كتب أخرى فليقوّم مساره الفرعي , ويبقِ الأصل على ما هو عليه.
أخيراً: إن الناظر في كتب المنهجيات العلمية يجدها تتفق في أصول كل الفنون الشرعية , الغائية منها والآلية , ولكن الذي يختلف هو الطريق الموصل لها , فليتخير منها ما يناسبه , وليشكل منها إن أراد منهجية توافق قدراته الشخصية, ثم إن المنهجيات تختلف أكثر في الطرق الموصلة للمراحل المتوسطة منها , ويظهر الاختلاف جلياً في مراحل المنتهين.
وكل شخص أعلم بنفسه , وأخبر بها , فليضعها في المكان اللائق بها.
أسأل الله أن يرزقنا العلم النافع , والعمل الصالح , إنه جواد كريم.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
أخوكم: أبو الليث الشيراني
مكة المكرمة
7/ 10/1431
ـ[عبدالعزيز أحمد العباد]ــــــــ[16 - Sep-2010, مساء 07:30]ـ
لا فض فوك يا أبا الليث كلمات قيمة جدا
ـ[ابن سعدهم الحنبلى]ــــــــ[17 - Sep-2010, صباحاً 12:51]ـ
جزاك الله خيراً استفدت كثيراً
ـ[أبوالليث الشيراني]ــــــــ[17 - Sep-2010, صباحاً 01:48]ـ
الأخوان:
عبد العزيز بن أحمد العباد.
ابن سعدهم الحنبلي.
(بارك الله في مروركما , ونفعنا وإياكم , وعلمنا ما ينفعنا , ونفعنا بما علمنا , وأجزل لكم المثوبة والأجر على تعقيبكما).