إن صفاء قلب المؤمن من شوائب الشهوات ومن أكدار الشبهات ومن تمني أذية الخلق لخلق كريم دعا إليه الإسلام ولكن هذا الخلق يصبح أمراً عجباً حينما يتمكن المظلوم ممن ظلمه ولكنه يقابله بالعفو والإحسان كما حدث من الشيخ فإنه لما أظهره الله على عدوه ما فعل شيئاً يؤذيهم ولا استغل الموقف لصالحه بل فعل ما أملاه عليه دينه واحتكم إلى شرع ربه فعفا وصفح وهذا يدلنا على "صفاء قلبه وإخلاصه في دعوته [وتجرده من كل هوىً أو انتقام] و لقد كثر خصومه واشتد عليه منهم الأذى وبلغوا منه في محنته كل مبلغ إلا أن يسكتوه عن قولة الحق جهيرة مسموعة وكثيراً ما تمكن من رد عدوانهم عليه ولكنه عفا عنهم ولم يؤذ أحداً منهم بل إنه كان يدافع عنهم
الأعذار" ([11] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn11)) وفعله هذا هو فعل الصديقين وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة سيدنا يوسف عليه السلام وما فعله إخوته معه وهو صغير ثم لما قدر عليهم عفا عنهم قال تعالى حاكياً قول يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ([12] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn12)) وبمثل فعل يوسف عليه السلام فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه في فتح مكة المكرمة حينما عفا عنهم وسامحهم ولم ينتقم منهم مع قدرته على فعل ذلك "ولا شك أن هذا من أرفع ما عرف في أخلاق الدعاة إلى الله تعالى وهو خلق [ربى الله عليه رسله كما] ربى عليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطليعة من الرعيل الأول الذين سبقوا إلى الإسلام واحتملوا الأذى في سبيل عقيدتهم وإيمانهم" ([13] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn13))، ومن ملامح تجرد الإمام ابن تيمية أنه اشتهر عنه لدى الخاصة والعامة الزهد والورع وذلك أنه "ما خالط الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة ولا تجارة ولا مشاركة ولا زراعة ولا عمارة ولا كان ناظراً مباشراً لمال وقف ولم يكن يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان ولا أمير ولا تاجر ولا كان مدخراً ديناراً ولا درهماً لا متاعاً ولا طعاماً وإنما كانت بضاعته مدة حياته وميراثه بعد وفاته t العلم اقتداءً بسيد المرسلين وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين فإنه قال: ( .. إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍ وافر) ([14] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn14))([15] (http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn15))، وهذه أحوال العلماء العاملين الموصوفين بالربانية والذين كرسوا كل حياتهم للعلم: تعلماً وتعليماً ودعوة سواء كانوا أئمة للدين أو قضاة أو من أهل الفُتيا أو من الخطباء والمؤذنين فهؤلاء الربانيون لم يكترثوا بزخارف الدنيا وحُق لهم ذلك فهم حملة الشريعة وهو أمر يعرفه كل من له أدنى اطلاع بأحوال ذلك الصنف من الناس عبر السنين وقد عقد العلامة ابن خَلْدون في مقدمة تاريخه فصلاً بعنوان:
"في أن القائمين بأمور الدين من القضاة والفُتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب .. [ثم علل بعض أسباب ذلك قائلاً:] وأهل هذه الصنائع الدينية لا تضطر إليهم عامة الخلق وإنما يحتاج إلى ما عندهم الخواص ممن أقبل على دينه .. وهم أيضاً لشرف بضائعهم أعزة على الخلق وعند نفوسهم فلا يخضعون لأهل الجاه حتى ينالوا منه حظاً يستدرون به الرزق بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشغل بهذه البضائع الشريفة المشتملة على إعمال الفكر والبدن بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدنيا لشرف بضائعهم فهم بمعزل عن ذلك؛ فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب" ([16] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn16))، والتقلل من الدنيا هو سمت العلماء الربانيين المصلحين ذوي الهمم العالية؛ لأنهم أولى الخلق بالتقلل من زخارف تلك الدنيا بما لا يضرهم في دينهم أويكدرعليهم صفو حياتهم ([17] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn17))، ومن تجرده أيضاً " ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه" ([18]
¥