قبل العامة "وقد تجلى إخلاصه في أمور أربعة أظلت حياته كلها فما كان يخلو منها دور من أدوار حياته مما جعلنا نؤمن بأن هذا العالم الجليل عاش دهره كله مخلصاً لله العلي العليم ولدينه الكريم:

أولها: أنه كان يجابه العلماء بما يوحيه فكره، يعلنه بين الناس بعد طول الفحص والدراسة، خصوصاً ما يكون مخالفاً لما جرى عليه مألوف الناس وعرف بينهم. الأمر الثاني: جهاده في سبيل إظهار الحق ولو بالسيف إن خصمه يحمل سيفاً كما حمل السيف مع التتار وكذلك في فتح عكا والقضاء على المعتدين من سكان الجبال بالشام.

الأمر الثالث: تبرؤه من الأغراض والهوى و المحاسدة والمباغضة بل اشتهر عنه عفوه عمن أساء إليه أما تبرؤه من الأغراض والهوى فيدل عليه أنه لما أظهر الله أمره للسلطان دعاه وأراه فتوى لبعض ممن تكلموا فيه بسوء واستفتاه في قتلهم فأثنى عليهم كما ذكر ذلك هو بنفسه إذ قال:"إن السلطان لما جلس بالشباك أخرج فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاني في قتل بعضهم ففهمت مقصوده وأن عنده حنقاً شديداً عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد دولتك مثلهم وأما أنا فهم حِلٌّ من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم" ([4] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn4))، فلم يستغل وينتهز فرصة غضب السلطان عليهم لينتقم لنفسه بل دافع عنهم حتى قال القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية بعد ذلك: "ما رأينا أفتى من ابن تيمية لم نبق ممكناً في السعي فيه ولما قدر علينا عفا عنا" ([5] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn5)). فهذا الموقف ينبئ عن صدق مع الله وإخلاص، وكذلك له موقف آخر من الصوفية حينما آذوه بل تعدوا عليه بالضرب فلما علم بذلك بعض محبيه من الحسينية جاؤوا لنصرته "وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلف من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟ قالوا: لأجلك فقال لهم: هذا ما يجوز قالوا: فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس فقال لهم: هذا ما يحل ... فلما أكثروا في القول قال لهم، إما أن يكون الحق لي أولكم أو لله: فإن كان الحق لي فهم في حل وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء وإن شاء" ([6] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn6))، وعندما اقتربت وفاة الشيخ استأذن وزير دمشق على الشيخ وأخذ يعتذر له عما فعله معه من تقصير أو غيره فقال له: "إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان المعظم من حبسه إياي، كونه فعل ذلك مقلداً غيره معذور أو لم يفعله بحظ نفسه بل لما بلغه مما ظنه حقاً من مبلغيه والله يعلم أنه بخلافه وقد أحللت كل أحد مما بيني وبينه إلا من كان عدواً لله ورسوله" ([7] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn7)) بل إنه قال في آخر أيامه: "أنا لا أكفر أحداً من الأمة ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) ([8] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn8)) فمن لازم الصلوات بوضوءفهو مسلم" ([9] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn9)).

الأمر الرابع: زهده عن المناصب وكل زخرف الدنيا وزينتها: فلم يطلب منصباً ولم يتول منصباً ولم ينازع أحداً في رياسة بل كان المدرس الواعظ الباحث؛ ولذلك عاش فقيراً وكان يكتفي من الطعام بالقليل ومن الثياب بما يستر العورة مع التجمل من غير طلب للثمين وكان يتصدق بأكثر رزقه الذي يجري عليه" ([10] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=3#_ftn10)) فهذه أحوال للشيخ تضئ لنا بعض جوانب إخلاصه وتدل على مدى تطلعه لما عند الله فكل حياته محن وابتلاآت وهذه سمات من يدعو إلى الله تعالى.

2 - تجرده في دعوته:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015