مقتضيات الدعوة وأصول الأحكام. ومن دخل في شيء من هذا كله بدون معرفة بالزمان، وبصيرة بأحوال المسلمين، وفِقْهٍ لواقعهم؛ فهو مغامر وضارب في عماية، ولا يؤمَن جانب دعوته وفتواه أن تودي بالمسلمين إلى موارد التهلكة والفساد.

وحاصل الكلام هنا: أن معرفة الزمان، والبصيرة بالواقع، وفقهَ أحوال الناس وهموم الأمة الداخلية والخارجية؛ مطلبٌ شرعي ملحٌّ، ولا سيما في هذه الأيام، ولا تستقيم دعوة ولا يهدى بيان بدون اعتماد هذا الأصل، وإنّ من يخالفون في ذلك يلحقون أبلغ الضرر بالدعوة الإسلامية، ويفتحون باباً واسعاً لفتنة الناس وإفقاد الأمة فاعلية هذه الدعوة.

الثالثة: الوعي التام بأصناف المدعوين ونفسياتهم وطبائعهم؛ إذ إن المدعوين لا يكونون على صورة واحدة مطردة، ولكنهم ينقسمون إلى أصناف عديدة: فمنهم من يرضى بالدعوة ويُقبل عليها ويتفاعل معها، ويثني على أصحابها ويدعو لهم؛ ومنهم من يغلق قلبه أمامها ويصمّ أذنيه عن سماعها؛ ومنهم من يرفضها ويتوجه إلى الداعين بالاتهام والسخرية والاستهزاء والانتقاد، ويجعلهم هم السبب في رفض الدعوة فيتَّهمهم بالتزمُّت والتعصب والعنف والقسوة والإيذاء؛ ومنهم ـ وبخاصة إذا كان صاحب مركز أو سلطان ـ مَن يرفض الدعوة ويتهم أصحابها، ثم يوقع بهم الإيذاء والتعذيب والاضطهاد، ويصدر في حقهم الاتهامات والانتقادات والإشاعات. وعلى الداعية أن يكون على وعي وبصيرة بحقيقة كل صنف، ويُوجِد عندهم القناعة بالدعوة والقبول لها، ويعمل باستمرار على تحسين أسلوبه في عرضها وتقديمها، وطريقته في التعامل مع الآخرين، ويستخدم أفضل الأساليب وأجودها وأجملها، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

ولا سبيل لنجاح الداعية في مهمته حتى يكون على قدر كبير من أمرين اثنين هما: التحصيل العلمي الصحيح والمخزون الإيماني، بجانب الخلق الدمث النبيل.

• أصول العمل الدعوي في ظل سُلطات غير إسلامية:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «إن مقارنة الفجار إنما يفعله المؤمن في موضعين؛ أحدهما: أن يكون مكرهاً عليها، الثاني: أن يكون في ذلك مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه؛ فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة» [10]، وتقول القاعدة الأصولية: «إذا اجتمعت المصلحة والمفسدة فالعمل على أرجحهما». وذلك أن الدعوة في ظل سلطات لا تُحكِّم الشريعة لا تحصل فيها المصلحة إلا بتحصيل المضرة، ولا تُزال المضرة أو تدفع إلا بإزالة المصلحة ودفعها، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما» [11]. وفي ضوء هذا يمكن تلخيص أصول الموازنة بين المصالح والمفاسد عند تزاحمهما في أصلين اثنين هما:

1 ـ احتمال المفسدة الصغرى: إما لدفع مفسدة كبرى، وإما لتحقيق مصلحة كبرى.

2 ـ تفويت المصلحة الصغرى: إما لتحقيق مصلحة كبرى، وإما لدفع مفسدة كبرى.

وهذا نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ كان نائباً لفرعون مصر، وهو وقومه مشركون. قال ـ تعالى ـ: {أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39 - 40]، وفعل يوسف ـ عليه السلام ـ من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان، بل إنه طلب من فرعون أن يجعله على خزائن الأرض، مع العلم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسُنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته، وجنده ورعيَّته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف ـ عليه السلام ـ يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله؛ فإن القوم لم يستجيبوا له، لكنه فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015