فمهمة الدعاة الأولى هي التبليغ ودعوة الناس إلى هدي الله، وهذه المهمة العظيمة لا بد أن يرافقها وعي دائم ومتجدد بحاجات الناس، وتغيّر أساليب مخاطبتهم. وقد أوضح المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كيفية قيام الداعية بهذه الوظيفة في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان» [8]. ونظرة دقيقة في فحوى هذا الحديث تكشف مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يلي:

1 ـ التعرف على المنكر، والتأكد أنَّ هناك منكراً.

2 ـ التعريف بالمنكر؛ فقد يرتكب بعض الناس المنكر عن جهل بأنه منكر؛ وقد يكفي تعريفهم به لكي ينتهوا.

3 ـ الوعظ والنصح والتخويف بالله.

4 ـ التعنيف بالقول الغليظ.

5 ـ إزالة المنكر باليد، وذلك إذا كانت سلطة إزالة المنكر بيد الداعية، ويكون بمعاقبة أصحابها، وبرفع المنكر وكسره.

ويجب على الداعية أن يحافظ في جميع هذه المراتب على مبدأ (اليسر والتبشير) ومجانبة (العسر والتنفير)، فقد اختار النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً ومعه أبا موسى الأشعري؛ لتبليغ الدعوة ونشرها في اليمن، وأوصاهما في مهمتهما الجليلة، فقال: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا» [9]. واليسر والبشارة أو العسر والتنفير ليسا من الأمور النظرية المجردة، وإنما هما مرتبطان بواقع الأحكام والدعوة في المجتمع وبين الناس؛ فمَنْ جهل طبيعة الواقع، أو تجاهل أحوال الناس، لم يدرِ هل يسَّر عليهم أم عسَّر؟ وهل نفَّرهم عن الدعوة أم حبَّبهم إليها؟ فضلاً عن متى يكون التكليف يسراً في الواقع، ومتى يكون عسراً؟

• مرتكزات وظيفة الداعية:

وتنبني وظيفة الداعية على ثلاث ركائز أساسية، وهي:

الأولى: فهم طبيعة الدعوة ومداها، ورسالتها العامة؛ إذ إن هناك نفراً من الدعاة يظنون ـ مثلاً ـ أن الدعوة إلى التوحيد هي مجرد تصحيح تصورات الناس تجاه مفهوم الربوبية، ومفهوم الألوهية، ومنهج أهل السنة في أسماء الله وصفاته فحسب، دونما بيان شافٍ كافٍ عن تجليات هذه العقيدة في واقع الناس وسلوكهم، ونظمهم الاجتماعية والتشريعية، ومشاعرهم وولائهم وغير ذلك. ومستند هؤلاء أن المرحلة الأولى للدعوة تقتضي ذلك، ثم تأتي القضايا الأخرى لاحقاً بعد تثبيت العقيدة. هذا الاتجاه المحدود لو تعززت وجهته في برنامجنا الدعوي فستنتهي بنا حتماً إلى حصر الدعوة الإسلامية بشمولها في نوع من الجهد الكلامي، ومن ثم إتاحة الفرصة تماماً أمام التيارات المنحرفة لصياغة الواقع الاجتماعي، وبنيان الأمة وَفْق مناهجهم الفاسدة. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو قومه إلى التوحيد الخالص في مكة، وكان يجتهد في تصحيح الانحرافات الاجتماعية كلها في الواقع الذي يعيشه، ويقرن ذلك كله بالتوحيد، وحسبنا في السور المكية التي تعالج الظواهر الاجتماعية قوله ـ تعالى ـ: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1 - 6]، أرأيت كيف ترتبط الدعوة إلى العدل والنزاهة بالإيمان بالله واليوم الآخر؟

الثانية: معرفة الزمان، والوعي العميق بالواقع الاجتماعي الذي تتحرك فيه الدعوة وتتنزل به الأحكام، وقديماً قال الصالحون: «رحم الله امرأً عرف زمانه، فاستقامت طريقته». إنّ البصيرة النافذة بأحوال الزمان، وأحوال الناس فيه، والعلاقات التي تتحكم في سلوك الناس الاجتماعي، والضغوط التي تفعل فعلها في الواقع، وهموم المسلمين وما عمت به البلوى وما لم تعم، والأخطار المحدقة بالأمة من خارجها ومن داخلها، ومواقع القوة أو الضعف فيها وفي أعدائها، ونحو ذلك من أحوال .. ، إنَّ المعرفة بهذه كلها مطلب شرعي لا تستقيم الدعوة ولا تنضبط أحكام الشريعة بدون تحصيله، وبدون هذا الفقه للواقع لا يمكن لمسلم تنزيل قاعدة (المصالح والمفاسد)، ولا أصل (لا ضرر ولا ضرار)، ولا أصل (ارتكاب أخف الضررين)، ولا باب (سد الذرائع)، ولا باب (الضرورات العامة وما تعم به البلوى)، وغير ذلك الكثير من

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015