يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، أستجير بربّ الفلق من شرّ ما خلق من الخلق.
واختلف أهل التأويل في معنى (الفلق) فقال بعضهم: هو سجن في جهنم يسمى هذا الاسم.
نظم الدرر - (8/ 899)
{قل} أي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق تعليماً لهم وأمراً , فإنهم كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته سبحانه وتعالى , فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها تصحيحاً لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء , ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا يرد ذلك عنه شيئاً: {أعوذ} أي أستجير وألتجئ وأعتصم وأحترز.
ولما كان هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم تربية قال: {برب الفلق *} أي الذي يربيه وينشئ منه ما يريد , وهو الشيء المفلق بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال , وكالأمطار التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب , وكالنبات الذي فلقت به ظلمة الصعيد , وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء , وكالصبح الذي فلقت به ظلمة الليل , وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون والأنس والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات
وخص في العرف بالصبح فقيل: فلق الصبح , ومنه قوله تعالى: {فالق الاصباح} [الأنعام: 96] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاطاة يوم القيامة الذي هو أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء , فإن القادر على ما قبله بما نشاهده قادر عليه , لأنه لا فرق , بل البعث أهون في عوائد الناس لأنه إعادة , كذا سائر الممكنات , ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ من كل ما يخافه ويخشاه.
ولما كانت الأشياء قسمين: عالم الخلق , وعالم الأمر , وكان عالم الأمر خيراً كله , فكان الشر منحصراً في عالم الخلق خصه بالاستعاذة فقال تعالى معمماً فيها: {من شر ما خلق *} أي من كل شيء سوى الله تعالى عز وجل وصفاته , والشر تارة يكون اختيارياً من العاقل الداخل تحت مدلول " لا " وغيره من سائر الحيوان كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات السموم , وتارة طبيعياً كإحراق النار وإهلاك السموم.
ولما كان عطف الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ذكر له من الحكم , وكان شر الأشياء الظلام , لأنه أصل كل فساد , وكانت شرارته مع ذلك وشرارة السحر والحسد خفية , خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن الخفي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر.
ولذا قيل: شر العداة المداجي , وكانت مادة " غسق " تدور على الظلام والانصباب , فالغسق - محركة: ظلمة أول الليل , وغسقت العين: أظلمت أو دمعت , واللبن: انصب من الضرع , والليل: اشتدت ظلمته , والغسقان - محركة: الانصباب , والغاسق: القمر , وكأنه سمي به لسرعة سيره وانصبابه في البروج ولأنه ليس له من نفسه إلا الإظلام , والثريا - إذا سقطت - والله أعلم , قال في القاموس: لكثرة الطواعين والأسقام عند سقوطها , والذكر - إذا قام , كما قاله جماعة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما , وهو سبب للجهل الذي هو ظلام كله , فقال تعالى: {ومن شر غاسق} أي مظلم بارد منصب ظلامه وبرده سواء كان أصلاً في الظلام حسياً أو معنوياً أو كان حاملاً عليه مثل الذكر إذا قام لما يجر إليه من الوساوس الرديئة لغلبة الشهوة واستحكام سلطان الهوى , ومثل القمر لما يحدث منه من الرطوبات المفسدة للأبدان وغير ذلك انصباباً له غاية القوة كانصباب ما يفيض عن امتلاء في انحدار , ونكّره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق مذموماً - والله أعلم.
ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه في السفول إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعاً جداً كاجتماع الشيء في الوقبة وهي النقرة في الصخرة , وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر وثبت , قال معبراً بأداة التحقق: {إذا وقب *} أي اعتكر ظلامه ودخل في الأشياء بغاية القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي تكون كالبئر في الصخرة الصماء الملساء , وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله قبل تمكنه , وفي الحديث "لما رأى الشمس قد وقبت قال: هذا حين حلها" يعني صلاة المغرب , وفيه عند أبي يعلى أنه قال لعائشة
¥