قوله: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} لا يخفى ما بين هذين الوصفين اللذين وصف الله بهما هذا اللعين الخبيث من التنافي لأن الوسواس كثير الوسوسة ليضل بها الناس والخناس كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس. والجواب: أن لكل مقام مقالاً؛ فهو وسواس عند غفلة العبد عن ذكر ربه خناس عند ذكر العبد ربه تعالى كما دل عليه قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} الآية وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا}. الآية.
تفسير الطبري - (24/ 709)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد أستجير (بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ) وهو ملك جميع الخلق: إنسهم وجنهم، وغير ذلك، إعلاما منه بذلك من كان يعظم الناس تعظيم المؤمنين ربهم أنه ملك من يعظمه، وأن ذلك في مُلكه وسلطانه، تجري عليه قُدرته، وأنه أولى بالتعظيم، وأحقّ بالتعبد له ممن يعظمه، ويُتعبد له، من غيره من الناس.
وقوله: (إِلَهِ النَّاسِ) يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كل شيء سواه.
وقوله: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ) يعني: من شرّ الشيطان (الْخَنَّاسِ) الذي يخنِس مرّة ويوسوس أخرى، وإنما يخنِس فيما ذُكر عند ذكر العبد ربه.
نظم الدرر - (8/ 912)
تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذاً به ومستعاذاً منه وأمراً بإيجاد ذلك , فالأمر: {قل} والاستعاذة {أعوذ} والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى , لكن لما كانت صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق بالحماية والإعانة والرعاية والخلق والتدبير والتربية والإصلاح , المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة , والإحسان الشامل والعلم الكامل , قال تعالى: {برب الناس *} أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصماً لي من العدو أن يوقعني في المهالك
... ولما كان الرب و الملك متقاربين في المفهوم , وكان الرب أقرب في المفهوم إلى اللطف والتربية , وكان الملك للقهر والاستيلاء وإظهار العدل ألزم , وكان الرب قد لا يكون ملكاً فلا يكون كامل التصرف , اقتضت البلاغة تقديم الأول وإتباعه الثاني , فقال تعالى: {ملك الناس *} إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان , وإليه المفزع وهو المستعان , والمستغاث والملجأ والمعاد.
... ولما كان الملك قد لا يكون إلهاً , وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركاً أصلاً بخلاف غيرها , أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال: {إله الناس *} إشارة إلى أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد , فكذلك هو واحده إلههم لا يشركه في إلهيته أحد
... ولما أكمل الاستعاذة من جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو القهر أو الإذعان والتذلل , ذكر المستعاذ منه فقال: {من شر الوسواس *} هو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة , والمراد بالموسوس , سمي بفعله مبالغة لأنه صفته التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادل بتسميته بالعدل , والوسوسة الكلام الخفي: إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير , كما أن الكلمة الدالة عليها " وس " مكررة , وأصلها صوت الحلي , وحديث النفس , وهمس الكلاب , ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ينفثه في القلب ويؤكده في خفاء ليقبل
... ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء , وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره سبحانه وتعالى , فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه , وصف سبحانه وتعالى فعل الموسوس عند استعمال الدواء إعلاماً بأنه شديد العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه فقال: {الخناس *} أي الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرة بعد مرة , كلما كان الذكر خنس , وكلما بطل عاد إلى وسواسه , فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد , فهو شديد النفور منه , ولهذا يكون شيطان المؤمن هزيلاً كما ورد عن بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ينفي الرجل بعيره في السفر , قال البغوي: له خرطوم
¥