ولم يُسوي الله بينهما، فقال اللهُ: (لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، وكلا وعد اللهُ الحسنى، وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً). فأما الظاهرُ في الآيات فالفرضُ على العامة.

قال: فأين الدلالة في أنه إذا قام بعض العامة بالكفاية أخرج المتخلفين من المأثم؟.

فقلت له: في هذه الآية.

قال: وأين هو منها؟

قلت: قال اللهُ: (وكلا وعد اللهُ الحسنى) فوعد المتخلفين عن الجهاد على الإيمان، وأبان فضيلة المجاهدين على القاعدين، ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم: كانت العقوبة ُ بالإثمـ إن لم يعفو الله ــ: أولى بهم من الحسنى.

قال: فهل تجدُ في هذا غير هذا؟

قلت: نعم، قال اللهُ: (وماكان المؤمنون لينفروا كافة ً، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). وغزا رسول الله وغزا معه من أصحابه جماعة وخلف أخرى، حتى تخلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، وأخبرنا الله أن المسلمين لم يكونوا لينفروا كافةً: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) فأخبر أن النفير على بعضهم دون بعض، وأن التفقه إنما هو على بعضهم دون بعض ٍ.

وكذلك ماعدا الفرض في عُظمِ الفرائض التي لايسع جهلها، والله أعلم.

وهكذا كلُّ ماكان الفرضُ فيه مقصوداً به قصد الكفاية فيما ينوبُ، فإذا قام به مِن المسلمين مَن فيه الكفاية ُ خرج مَن تخلف عنه مِن المأثم.

ولو ضيعُوه معاً خفتُ أن لايخرج واحدٌ منهم مطيقٌ فيه من المأثم ــ إلى قوله ــ

قال: ومثل ماذا سوى الجهاد؟

قلت: الصلاةُ على الجنازة ودفنها، لايحلُّ تركُها ولايجبُ على كل مَن بحضرتها كلهم حضورها، ويُخْرِجُ مَن تخلف مِن المأثم مَن قام بكفايتها.

وهكذا ردّ السلام، قال الله: (وإذا حُييتم بتحية ٍ فحيوا بأحسن منها أو ردوها، إن الله كان على كل شئ حسيبا). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُسلم ُ القائمُ على القاعد». و: «إذا سلم من القوم واحد أجزأ عنهم» وإنما أريد بهذا الرد، فرد القليل جامع لاسم «الرد»، والكفاية فيه مانع لأن يكون الرد معطلاً.

ولم يزل المسلمون على ماوصفتُ، منذُ بعث الله نبيه ــ فيما بلغنا ــ إلى اليوم: يتفقه أقلهم، ويشهدُ الجنائز بعضهم، ويجاهدُ ويرد السلام بعضهم، ويتخلف عن ذلك غيرهم، فيعرفون الفضل لمن قام بالفقه والجهاد وحضور الجنائز ورد السلام، ولا يؤثمون من قصر عن ذلك، إذا كان بهذا قائمون بكفايته. انتهى

قال ابن عبد البر (جامع بيان العلم)

أجمع العلماء على أن من العلم ماهو فرض متعين على كل امريء في خاصته بنفسه، ومنه ماهو فرض على الكفاية إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع

قال الغزالي (إحياء علوم الدين)

وفيه بيان ماهو فرض عين وماهو فرض كفاية، وبيان أن موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أي حدٍ هو وتفضيل علم الآخرة.

بيان العلم الذي هو فرض عين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، وقال أيضا صلى الله عليه وسلم «اطلبوا العلم ولو بالصين» واختلف الناس في العلم الذي هو فرض على كل مسلم ــ إلى أن قال ــ والذي ينبغي أن يقطع به المحصِّل ولايستريب فيه ماسنذكره: وهو أن العلم كما قدّمناه في خطبة الكتاب ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إلا علم المعاملة، والمعاملة التي كُلِّف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة: اعتقاد وفعل وترك.

«الاعتقاد»: فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السن ضحوة نهار مثلاً فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وهو قول «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، بل يكفيه أن يصدّق به ويعتقده جزماً من غير اختلاج ريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان، إذ اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل. فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت وكان العلم الذي هو فرض عين عليه في الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما، وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت، بدليل أنه لو مات عقيب ذلك مات مطيعاً لله عزوجل غير عاص له،

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015