في قول بعض طلبة العلم: (ومن أنا حتى يكون لي "عند")

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[20 - Sep-2008, مساء 02:42]ـ

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه

أما بعد

كثيرا ما نسمع بعض اخواننا من طلبة العلم ومشايخنا يرددون هذه العبارة اذا ما سألهم السائل نحو: وما القول عندكم في كذا؟ أو اذا ما تكلم هو عما أفضى اليه نظره وبحثه في مسألة من المسائل فيقول: (عندي أن الصواب كذا وكذا)، يتبعها بقوله (ومن أنا حتى يكون لي عند؟) .. يقولونها من باب التورع! .. بل وأحيانا يتهيبون التعبير عن مذهبهم بلفظة "عندي" أصلا! وقد كنت أقلدهم في ذلك أحيانا فيما أكتب وما أحرر حتى تأملت فيها، فوجدت أن هذا في الحقيقة أمر فيه نظر ..

فالذي تصدر لافتاء الناس - ان كان شيخا مجازا للفتيا وله طلبته الذين يفتيهم ويعلمهم - هذا لم يصل الى هذه المنزلة الا أن كان أهلا للنظر في مسائل العلم ابتداءً. والذي هو أهل للنظر في مسائل العلم، فانه يفضي به نظره - ولا بد - الى الترجيح بين الأقوال! فان لم يكن هذا التجريح هو القول الصائب "عند" قائله وفي ظنه، فما معنى قوله بعد ذلك "ومن أنا حتى يكون لي عند"؟؟

وكذا طالب العلم - حتى المبتدئ من أمثالي - اذا ما نظر في أقوال أهل العلم وأدلتهم في مسألة من المسائل وبحث فيها فظهر له - على قدر علمه - رجحان قول على قول أو مذهب على مذهب، ألا يكون ذلك الرجحان، والذي هو نتاج النظر والبحث منه، هو مذهبه الذي انتهى اليه بحثه ونظره - أصاب في ذلك أو أخطأ - هو القول في المسألة "عنده" والذي يدين الله به؟

فما الحرج في أن يقول: الراجح "عندي" هو القول بكذا وكذا؟

ومن الذي قال أن قول القائل من طلبة العلم "عندي أن الصواب هو كذا" يلزم منه الايهام بتبوؤ ذلك المتكلم منزلة فوق منزلته، أو بلوغه مرتبة فوق مرتبته، أو تطاوله على مراتب أئمة الاجتهاد والفقه؟

لعل مشايخنا واخواننا يريدون بذلك الترهيب من جناب العلم الشرعي ومن التطاول على أمر الاجتهاد في مسائل الشريعة المطهرة، وهذا أمر يجب أن يرسخ في نفوس الطلبة جميعا ولا شك، ولكن أن يفتي شيخ ممن تصدر لأمر الفتيا وأصبح الناس يقصدونه في مسائلهم على أنه من أهل النظر والاستنباط، فاذا به في تضاعيف فتواه يقول "ومن أنا حتى يكون لي عند؟ " .. فهذا يستتبع السؤال: "فبأي حق أفتيت الناس أصلا، ان لم يكن عندك نظر وترجيح؟؟ "

لك "عند" ولا شك لأن لك مذهب تفتي به الناس .. وهو ما يترجح في نظرك!

وما دمت قد رجحت قولا على قول، فهذا هو "العند"!

ولعل الصواب أن يقال أن لكل مقام مقال

فان كنت في مقام مدارسة بين اخوانك طلبة العلم، فلك عند ولهم عند، وما تناقشتم أصلا الا للبحث عن أرجح الأقوال فيما عند كل واحد منكم ..

وان كان مقام استفتاء لمن هو أعلم منك، كشيخك أو معلمك، فلا تقدم بين يديه وتقول: "عندي أن الصواب كذا! "

وان كان مقام افتاء في الناس وتعليم لهم .. فقولك هذا - أنك ليس لك عند - لازمه أنك ليس لك ان تفتيهم ولا أن تعلمهم!

والحق أن كل من له قدر من النظر في مسائل الشرع، وله تحصيل لأصول ذلك، وله حظ من الفهم .. فانه يكون له "عند"!

أما أهليته للفتيا ولأن يأخذ عنه الناس ما عنده، فهذه مسألة أخرى ..

والا فكلنا مقلدون عميان ننقل كلاما لا نفهمه، ولا فرق في ذلك بين العامي والطالب القادر على النظر والترجيح .. وقد نهينا عن التقليد وعن اتباع الأقوال بلا دليل ولا برهان!

والله المستعان.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[20 - Sep-2008, مساء 05:41]ـ

إذا كانت هذه الكلمة صادرة من كبار أهل العلم أو الفقهاء المفتين المشهود لهم بالتبحر فالأمر كما ذكرت أنه من باب التواضع وتربية طلبة العلم على عدم الاعتداد بالنفس، فلا إشكال في ذلك، ولا يرد عليه ما تفضلت به من اعتراضات.

ولا سيما في هذا الزمن الذي فقدنا فيه هذا الأدب فصار كل من طلب العلم سنتين عالما، وصار كل من قرأ كتابين في الفقه فقيها، وصار كل من قرأ مختصرا في الحديث محدثا، والله المستعان.

ـ[أبو الفداء]ــــــــ[20 - Sep-2008, مساء 07:49]ـ

بارك الله فيكم يا أخي المفضال ..

على عهدي بك، مدقق محقق

وأنت "عندي" كذلك (ابتسامة)

وقد ذكرتُ أن لكل مقام مقال .. وعليه فلو كان الشيخ يفتي بعض العامة أو يعلمهم، فليس في قوله (عندي أن الصواب كذا) ما يلزم منه عندهم أو يقع في روعهم وأذهانهم بسببه أنه يقرن نفسه بأئمة النظر والاجتهاد او يضع نفسه في منزلة فوق منزلته اذ يستعمل هذه اللفظة! فلا يلزمه أن يقول (ولست بمن يكون له عند) أو (ومن أنا ليكون لي عند) ..

بينما لو كان الشيخ في مقام تعليم لطلبة علم مبتدئين، وأراد أن يخوفهم من تطلب ما لا يزالون دونه من المنزلة، فله أن يستعمل هذه العبارة تواضعا وتعليما لهم .. لأن كلمة (عندي) في أذهان هؤلاء قد يكون لازمها مختلفا عما يكون في أذهان العامة ..

ومناط الأمر معرفة الشيخ بحال من يخاطبهم ..

والا فكلمة (عندي) باطلاقها ليس فيها بأس ما لم يكن المتكلم بها يتاجر بلا بضاعة ولا رأس مال، ويتكلم فيما لا يضبط .. نعوذ بالله من ذلك ..

فالجاهل لا قيمة ولا اعتبار لما عنده!

وطالب العلم يحرم عليه أن يتكلم في مسألة لا يضبط فيها علما، سواءً قدم لكلامه عن رأيه ومذهبه بقوله (عندي) أو لم يستخدم تلك اللفظة!

فحكمه حينئذ حكم من ليس عنده الا الجهل!

ولكن اذا لم يكن الحال كذلك .. وكان ضابطا لما يقول، فما الاشكال في أن يبين طالب العلم أن هذا القول هو الراجح عنده في نقاشه مع أقرانه، بأن يقول "الصواب عندي كذا وكذا"، دون أن يحتاج الى أن يتبع ذلك بقوله (وأعوذ بالله من كلمة عندي) مثلا؟!!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015