وبناء على هذه التجربة الطويلة، وصلت إلى أن دراسة الفقه عبر كتب الحديث أو الروضة وأشباهها، رغم مافيها من بركة وانوار الحديث الشريف، فإنها لاتبني فقها صلبا مقعدا تقعيدا متينا، بل لا تتعرض إلا للمسائل المشهورة،لكنها خلو من كثير من الفروع الفقهية التي لا بد منها، والتي لن تجد لها الجواب إلا في الكتب المذهبية. على انها لا تمنحك فقها بنيت فيه الفروع على اصول ثابتة مستقرة، بل أشتات من هنا وهناك.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى، فإن كتب الحديث ستضيع فيها بين ترجمة الراوي ومعنى الكلمات والمعنى الإجمالي والحديث عن السند قبل الوصول إلى فقه المسألة وذكر الخلاف والترجيح، فكم ستاخذ من الوقت، فضلا على ان هذا لا يبني فقها مقعدا مؤصلا. ولا يعني هذا أنني ازهد من دراسة شروح الحديث، حاشا وكلا، لكن بموازاة مع دراسة منهجية للفقه، وهذا ما عشته مع شيخي محمد المختار، حيث كنت آخذ معه الفقه في الكلية بشكل منهجي، واتابع معه شرح البلوغ بمسجد الكلية، وشرح العمدة بالمسجد النبوي.
وازيدك امرا،وهو أن دراسة الفقه عن طريق الروضة واشباهها، لا يربي فيك ملكة الفقه،وروح المقاصد، ولا يحيلك إلى معرفة العلل، واستنباط الغايات والحكم، بل هو فقه ظاهري حرفي جامد، ضيق الأفق،وهو ما لا أحبه لك.
وقد تاملت في سير أعلام الأمة فوجدت عامتهم إلا القليل جدا، قد سلك مسلك التمذهب ودراسة الفقه عبر كتب المذهب، من المختصرات إلى المتوسطات إلى المطولات، قبل الانتقال لمعرفة الخلاف العالي، والترجيح اتباع للدليل، فلا يسعنا إلا اتباع أئمة العلم وفقهاء الدين في مسالكهم ومناهجهم.
ثم إن الاعتناء بالفقه المذهبي يربيك على تقدير الفقهاء ومعرفة مكانتهم، وحفظ مراتبهم، والاطلاع على مآخذهم، وأنها عن علم وبصيرة لا كما يظن البعض، أما الكتب المشارة إليها, فعلى عكس ذلك تربيك على الجرأة على الفقهاء،وعلى تسفيه بعض مذاهبهم، واعتبار بعض أقوالهم تخريفا وهذيانا، واحيانا قد يكون هذا القول مذهب الأئمة الاربعة وغيرهم من ائمة الدين والفقه، ومن قرأ الروضة أو النيل عرف ما أقول.
إذا تقرر أن دراسة الفقه عبر المذاهب هي اجدى الطرق وانفعها وأمتنها، يبقى لك اختيار المذهب،وكل المذاهب السنية فيها خير، لكن الأولى دراسة فقه مذهب البلد والاعتناء به لسببين:
الاول: ان الموافقة خير،فإذا علمت ان اهل البلد قد اختاروا قولا معينا بناء على انه المذهب، وكان هو المذهب فعلا فلا إنكار حينئذ، وكم انكرنا في شبابنا على كبار السن أفعالا او اقوالا علمنا فيما بعد أنها من منصوصات مالك او كبار تلاميذه، ولا إنكار على مقلد قلد مالكا او ابن القاسم. بل أحيانا كنا ننكر عليهم اختيارات ظهر لنا فيما بعد أنها الارجح حتى من جهة الدليل المجرد، فلا بد إذن من معرفة المذهب ومعرفة اقوال كباره وأئمته.
الثاني: أنك إذا اردت ان تحيي سنة أو تميت بدعة من أنفع الطرق الاعتماد على أئمة المذهب الذي يدعي أولائك المخالفون الانتماء إليه، وهذا يصلح كثيرا في دحض كثير من القوانين المخالفة حتى للمذهب المدعى الانتساب إليه. وإتقان هذا لا يكون إلا بدراسة المذهب ومعرفة الروايات والأقوال والمدارس والاتجاهات.
أما عن سؤالك عن كتب الأصول، فرغم ان كتب الأصول تضيق فيها المذهبيات، ومع ذلك لا بد من بعض كتب أصول المالكية، وأهمها شرح منظومة ابن أبي كف للشيخ محمد يحيى الولاتي الشنقيطي ثم الجواهر الثمينة للشيخ حسن المشاط، ثم نثر الورود على مراقي السعود للشيخ الامين الشنقيطي، واخيرا مفتاح الوصول للتلمساني.
أما شروح الرسالة المشار إليها فلا أعرف من هؤلاء إلا الشيخ عبد الله المدني، وهو من المشايخ الفضلاء،من البلاد الصحراوية بالمغرب، وله بمدينة بني ملال معهد علمي أثنى عليه غير واحد، ولم يتسن لي ريارته، وعموما فالرجل مشهود له بالعلم والفضل.
أسأل الله تعالى ان ينفع بك ويرزقك علما وفهما.
ـ[أبومنصور]ــــــــ[20 - Jul-2008, مساء 08:19]ـ
الاخ الكريم ... ابو عائشة .. جزاك الله خيرا وجعلك من عباده الصالحين الربانيين الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره .. امين امين امين.
الحقيقة انه لا مزيد على ما تفضلت به بخصوص الدراسة المذهبية خصوصا وان المرء يحلظ نتائج غياب هذه الطريقة بين شباب الصحوة .. فتجد احيانا واحدا منهم اذا قرا كتابا حديثيا - كنيل الاوطار مثلا - انه صار علامة زمانه وفريد عصره ووحيد دهره وفقيها لا يشق له غبار .. فيخطئ هذا ويصوب ذاك .. ولا حول ولاقوة الا بالله.
وامر اخر يجدر الانتباه اليه ان البعض - كذلك - التجئ الى كتب الحديث هربا من التعصب المذهبي والتقليد الاعمى فاذا به من حيث شعر او لايشعر قد اصبح مقلدا للشوكاني او صديق حسن خان .. الخ .... والله المستعان.
اما بخصوص كتب الاصول .. فبحكم اطلاعك عليها .. لو اراد المرء الاقتصار على كتاب واحد جامع .. فابيها تنصح؟
وبارك الله فيك .. واجزل لك المثوبة في الدنيا والاخرة.
¥