كان لظهور هذه القوة الجديدة أثر بعيد على الساحة العالمية خاصة عند القوى المعادية للإسلام وهي ممثلة في الإمبراطورية البيزنطية الصليبية والدولة الفاطمية الشيعية، فكلاهما لا يرغب في قوة جديدة للمسلمين، وبالفعل وقع الصدام بين السلاجقة والبيزنطيين عدة مرات ولكن كانت معركة 'أرزن' على حدود أرمينية سنة 450 هجرية وفيها انتصر السلاجقة انتصارا عظيماً ثبت وضع ومكانة السلاجقة على الساحة الدولية وخريطة القوى العالمية.
واستمر 'طغرلبك' في جهاده ونصرته للخلافة العباسية والمسلمين حتى توفاه الله عز وجل سنة 455 هجرية وتولى السلطنة بعده بطلنا الجسور ألب أرسلان.
الأسد الباسل
هو السلطان الكبير والملك العادل، عضد الدولة، أبو شجاع ألب أرسلان محمد بن جفرى بك داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق التركمانى، ومعنى ألب أرسلان بالتركية الأسد الباسل وكان حقاً منذ شبابه وقبل ولايته أسد باسلاً شجاعاً يستعين به عمه 'طغرلبك' في المهام الصعبة والجسيمة وكان في منزلة القائد العام للجيوش السلجوقية وهو دون الثلاثين من العمر وقد كلفه عمه 'طغرلبك' بأهم منصب في الدولة السلجوقية ألا وهو منصب حاكم إقليم خراسان المضطرب، فأبدى كفاءة وحزم وعزم شديد في مواجهة التحديات والصعوبات الكثيرة خاصة وأن دولة السلاجقة كانت مازالت بعد في مراحلها الأولى رغم قوتها وشبابها.
الخلافات الطارئة
لم يكد ألب أرسلان يستلم منصب السلطان حتى دبت خلافات طارئة داخل البيت السلجوقى، حيث ثار عليه بعض أقربائه منهم أخوه سليمان وعمه 'قتلمش' واضطر ألب أرسلان مكرها أن يقاتل الخارجين عليه، وقد نصره الله عز وجل على خصومه على الرغم ما إن عمه قتلمش قد حاربه بتسعين ألفاً، في حين ألب أرسلان كان في اثني عشر ألفاً فقط، ولما علم ألب أرسلان نبأ مقتل عمه في المعركة بكى بشدة وتأسف على نهايته.
بعد ذلك انشغل ألب أرسلان في القضاء على بعض الثورات الداخلية التي قام بها بعض حكام الأقاليم فلقد ثار حاكم إقليم 'كرمان' و غيره، وعانى أيضاً ألب أرسلان من غارات القبائل التركمانية التي لا تنضوي تحت راية أحد وتعيش على السلب والنهب.
استراتيجية القيادة الناجحة
لقد ورث السلطان ألب أرسلان إمبراطورية عظيمة واسعة الأرجاء تمتد من سهول التركستان إلى ضفاف دجلة، بها الكثير من المدن الكبار والأقاليم الواسعة والشعوب المتباينة، لذلك فلقد كانت مسألة قيادة هذه الإمبراطورية في غاية الصعوبة وتحتاج لاستراتيجية حكيمة وقيادة قديرة، وهذا ما اتبعه الأسد الباسل 'ألب أرسلان' وذلك بإتباع الخطوات الآتية: ـ
أولاً:ـ استخدام الرجال الأكفاء
وكان ذلك حجر الزاوية في نجاح استراتيجية القيادة عند ألب أرسلان، فلقد استخدم ألب أرسلان في منصب الوزارة وهو أهم منصب في الدولة رجلاً قديراً كان سبب سعادة الدولة السلجوقية وهو الوزير العظيم 'نظام الملك' الذي جمع بين العلم والورع والحنكة السياسية والمقدرة القيادية وحب العلماء والصالحين والزهاد، ولقد استمر نظام الملك وزيراً طوال حكم ألب أرسلان وولده 'ملك شاه' من بعده أي استمر من سنة 455 هجرية ـ 485 هجرية، وهذا يؤكد على مدى أهمية البطانة الصالحة والرجال الأكفاء في المناصب الحساسة، فكم من وزيراً وقائد أضاع أمته أما بجهالة أو عمالة أو طمع في الدنيا، وكم عانت الأمة الإسلامية من رجال وسُد إليهم الأمر وهم من غير أهله، فضاعوا وأضاعوا وضلوا وأضلوا.
ثانياً:ـ تأليف الخصوم
عندما ظهرت القبائل السلجوقية اصطدمت بقوة مع الدولة السبكتكينية التي كانت تسيطر وقتها على خراسان وسهولها والتركستان والسند، ودارت بين السلاجقة ومحمود بن سبكتكين ثم ولده مسعود معارك كثيرة وطاحنة استمرت قرابة الخمسين سنة في صراع بدا للعيان أنه لن ينتهي أبداً، حتى جاء الأسد الباسل إلى السلطة وقرر حسم هذا الصراع الطويل ليتفرغ إلى مهمته الأصلية: فتح القسطنطينية وفتح مصر، واستطاع ألب أرسلان أن يتألف خصمه اللدود الدولة السبكتكينية بأيسر السبل بأن صاهر سلطانها على ابنته فزوجها لابنه 'إياز'، ثم صاهر سلطان الدولة الخانية [بلاد ما وراء نهر جيحون [على ابنته أيضا، فزوجها لابنه الآخر 'تكش' وهكذا استطاع ألب أرسلان أن يؤلف خصومه وألد أعدائه وجعلهم أقرباه وأهله وهذا من قمة الذكاء الاستراتيجي
¥