وأما الأصول المصرية القديمة، فهي ترجع لابني نوح -عليه السلام- سام وحام.

ولا شك في أن ابني نوح -عليه السلام- كانا على التوحيد. وانطلقا إلى تعمير الأرض فيما بعد الطوفان. فأصبح سام أبا للعرب وحام أبا للحبشة .. كما روى الإمام أحمد والترمذي.

ولوجود موارد المياه في منطقة وادي النيل، فسكنت ذريتهما تلك المنطقة. ومرت العصور عليهما، وفيما يظهر أن هناك نزاع نشأ فيما بعد بين أبناء سام "في الشمال" وأبناء حام "في الصعيد"، واستمر إلى أن تم توحيد القطرين في فترة متأخرة. سبقتها ارهاصات في محاولة توحيدهما ولكن باءت تلك المحاولات بالفشل.

ويطلق المؤرخون اسم "مينا" على ذلك الملك الذي وحد القطرين.

وقبل الحديث عن الاختلاف، قد أخبر الله -عز وجل-: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} وهذا هو الحال قبل الاختلاف، وأما حاليا فهو مثلما بدء، قال الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}

فتلك الاختلافات قد رفعها الإسلام بمجرد الدخول فيه، وهذا ما يجب على المسلمين الاهتمام به فهما وعملا ومنهجا حيث أن هذا الموضوع له علاقة بالعقيدة من الولاء والبراء وغير ذلك.

اختلاف اللغات آيات من عند الله -عز وجل-، قال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}

والاختلاف في بدايته لا يكون على نفس القدر الذي يظهر في الوقت المتأخر، فكلما بعد الزمان زاد الاختلاف.

فمجرد الاستدلال بقدرة الشعوب القديمة على فهم بعضها البعض -رغم وجود الاختلاف- ليس دليلا على أن البعض له أصل واحد، بل الجميع له أصل واحد.

واللغات واللهجات تابعة للشعوب.

وهناك بعض الكلام المذكور فيما قبل الطوفان، والذي يعنينا هو الكلام فيما بعد الطوفان.

رست السفينة على جبل الجودي في الجزيرة، وما من أحد على ظهر الأرض إلا من نجاه الله -عز وجل- مع نوح، من أبنائه ومن الذين آمنوا معه.

والمشهور أن عدد هؤلاء في حدود 80 من الرجال والنساء.

جميعهم على التوحيد والإيمان. ولسانهم لسان نوح، ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.

وبالتالي فإن الاختلاف الحادث قد ظهر في الفترة التي تليها، بعد الكثرة والانتشار والترحال.

واللغات التي تُنْسب إلى سام بن نوح، فإنها من أصل واحد، ولغة سام ترجع لأبيه، ولغة أبيه ترجع إلى آدم -عليه السلام-، ولغة آدم ترجع إلى ما علمه الله -عز وجل-.

والعلم باللغات إنما انتقل من آدم إلى بنيه، حيث أن جميع بني آدم يجري عليهم القانون العام: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}.

والمشاهد في اللغات خلال الفترة القليلة السابقة، فإن الشخص الهولاندي العادي لا يمكنه قراءة الكتب المكتوبة اللغة الهولاندية من 300 سنة، وكذلك الإنجليزية .. وجل اللغات.

ولكن اللغة العربية فإن الله -عز وجل- قد حفظها بحفظه لأنها لغة القرآن .. فعلى الرغم من مرور أكثر من 1400 عام إلا أن العربي الذي يقرأ القرآن يفهمه فهما جيدا في الجملة.

ولا يصح القول بأن نوح وأبنائه من اليمن، وإن كانت النسبة ترجع إلى استقرار سفينة نوح، فالمشهور أن الجودي ناحية الموصل كما أخبر الإمام الطبري وابن الجوزي وابن الأثير وغيرهم، وليس ناحية اليمن.

ولا يتعارض هذا مع الأصول العربية، حيث أن العرب قد سكنت منطقة الجزيرة، والعرب البائدة قد سكنت مناطق شتى من الجزيرة، وانتقل منها من انتقل، وليس الأمر حكرا على اليمن.

وأما الادعاء بأن الفراعنة ليسوا من أهل مصر أصلا، وأنهم كانوا محتلين، فهذا ادعاء غير وجيه، قال الله تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.

وأما زوبعة النصارى، فإنها زوبعة لا يعلو لها ضجيج، وإلا فمن فيما قبل النصرانية!

وهناك مغالطات أخرى، كالادعاء بأن موسى استخدم مترجما بينه وبين فرعون مصر، وهو الذي نشأ في بيت فرعون.

وعلى الادعاء بأنه كان فرعون هذا غير الأول، فهذه الأسر الفرعونية الحاكمة لا يعقل أن يكون الأخ أو الابن في العائلة على لغة غير لغة أخيه أو أبيه.

قال الله -عز وجل- مخبرا على لسان موسى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي}

وكان يخشى القوم خوفا جبليا لعلة، إذ قال {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}

فإن كان .. لكانت العلة قد زالت، وزال الحكم. ولكن الله تعالى قد قال: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ}

أكتفي بهذا.

ولعل فيما سبق فائدة ترجى، وبيان بعض الخلل الذي في أصل المقال.

والله أعلم.

بارك الله فيكم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015