الحديث وكنت من أعلم الناس به، فإذا ذكرت وصية عمر سكت، قال لهم عمر: والوضوء مرة مرة، ومرتان مرتان، وأسبغ الوضوء ثلاث ".
لماذا قال عمر بن الخطاب هذه الجملة؟ أراد أن يقول لهم، أنا أرسلتكم لتعلموا الناس الأحكام وأعطاهم مثالا ً، وهو حكم الوضوء، مرة مرة، ومرتان مرتان، وأسبغ الوضوء ثلاث، فلا تشغلوهم بالسيرة وبأحوال النبي ? لأن الإنسان إذا أحب إنساناً كان شديد الاهتمام بأدق دقائقه، فالصحابة رضي الله عنهم، الذين عاينوا النبي ? وعرفوا أحواله وأخباره، عندهم حكايات فالتابعون الذين آمنوا بالنبي ? ولم يروه، في حاجة ماسة ولهفة شديدة أن يعرفوا كل شيء عنه، فلو قدر أن يجلس تابعي مع صحابي لم يسأله في الحلال والحرام، أكثر مما يسأله عن أحوال النبي ?، صفه لي، كيف كانت صفاته الخلقية كيف كان يأكل، كيف كان يشرب؟ كيف كان ينام، كيف كان يعامل أعداءه؟ كيف إذا غضب ماذا كان يفعل، وهكذا، أي هذه الأشياء التي يهتم المرء بها, فأراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول لهم لا تصدوهم عن القرآن الذي هو معدن العلم وكلام الله سبحانه وتعالى بالحديث الجانبي الذي دافعه فضول هؤلاء المؤمنين بمعرفة كل شيء عن رسول الله ? ولكن عليكم بالأحكام الشرعية وضرب لهم الوضوء مثلاً لذلك.
لكن لم يثبت في سند من الأسانيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع أحداً من الصحابة مطلقاً: إنما ربما أشار إلى أن يقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله ? فقط، لا أكثر من هذا، لماذا؟ لأن كما قلت لكم الفضول الذي قد ينازع الناس في هذا، قد يصدهم عن معرفة كثير مما أنزل الله سبحانه وتعالى.
ولو سلمنا جدلاً، أن عمر منع: فإنما يمنع لهذا الذي كان رأياً يراه، لكن الأخبار التي وردت بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، منع بعض الصحابة هي أخبار لم تثبت
مثال: يقولون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر من التحديث، طبعاً هذا الكلام لا يصح، لأنه من رواية إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
والتاريخ يدل على أن هذه الرواية منقطعة: كما جزم بها ابن حزم والبيهقي، لأن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف وُلد سنة عشرين هجرياً، وعمر بن الخطاب مات شهيداً سنة ثلاث وعشرين، أي كان لإبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف نحواً من ثلاث سنوات يوم مات عمر، فكيف يسمع منه؟ والأخبار التي تقول أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ولد في زمان النبي ?، هذا خبر لم يصح وأنا لا أعلم أحد قال بهذا إلا الواقدي وتابعه يعقوب ابن شيبة والمسألة فيها بحث, لكن ابن حزم رحمة الله عليه نفى ذلك ونفاه البيهقي أيضاً وقال إنه لم يسمعه, وإذا نظرنا في الخبر، عمر بن الخطاب يمنع ابن مسعود أن يحدث لماذا؟ هل سيمنعه لأنه يتهمه؟ الجواب: لا هل سيمنعه ليكتم العلم حتى لا يحدثون بالعلم؟ الجواب: لا، ولا يتصور من عمر أن يقول للصحابة لا تحدثوا الناس ولا تعلموا الناس، كيف وقد أرسل عمر بن الخطاب ابن مسعود إلى الكوفة ليعلم الناس أحاديث النبي ?، فكيف يتصور أن يقول لابن مسعود لا تحدث عن رسول الله ?؟!
الخلاصة: وحتى لو سلمنا جدلاً أن عمر منع: فيكون من هذا الباب الذي ذكرته وهو ألا يتوسع الناس في أخبار النبي ? من جهة السيرة وأكله وشربه ونحو ذلك، ويصدوا الناس عن القرآن المجيد، فهذا حتى لو سلمنا أن عمر بن الخطاب فعله فليس في ذلك أي تهمة يمكن أن يتهم بها أبو هريرة رضي الله عنه.
من الشريط الثامن والاربعين فك الوثاق للشيخ أبي إسحاق الحويني حفظه الله