ثم عمل مدرساً بمدينة بيش عام 1364هـ مدة يسيرة، ثم انتقل إلى صبياء بمسجد مركز الإمارة، ثم إلى ضمد جلس فيه يدرس مدةً يسيرة، ثم رجع إلى صامطة، ثم كان مدرساً بقرية السلامة عام 1367هـ من شهر صفر إلى نهاية شهر رجب عام 1368هـ، وبعدها انتقل بأمر الشيخ عبد الله إلى مدينة بيش ـ أم الخشب ـ مدرساً فاجتمع عليه خلق كثير. وكان يدرسهم ليلاً ونهاراً بجدٍ ونشاط فاستفاد منه الطلبة فائدة كبيرة، كما نهضت بفضل الله ثم بجهوده المدارس الموجودة بقرى بيش. وقد بقي هناك إلى عام 1373هـ منها سنة وبضعة أشهر مدرساً بقرية السلامة وخمس سنوات تقريباً مدرساً بمدينة بيش.
وفي هذا العام عين مديراً لثانوية جازان. وفي آخر العام استقال منها.
وفي عام 1374هـ أول شهر محرم عُيّن مديراً لمعهد صامطة، فكان يقوم بأعمال الإدارة والتدريس لطلاب المعهد مع مزاولة الأنشطة التي تقام كل أسبوع في المعهد. وكان يشرف على مدارس الشيخ والمدرسين والطلاب بمنطقة صامطة والحرث والمسارحة والحكامية وأبي عريش والعارضة ووادي جازان رحمه الله.
زهده وورعه
كان ـ رحمه الله ـ زاهداً عن الدنيا عازفاً عنها، همه همته طلب العلم وتعليمه وبيانه للناس قولاً وعملاً. ومن زهده لم يشغل نفسه بالدنيا ولا بحطامها ولا بجمع المال منها. ولما كانت تصرف لنا عشرة ريالات ونحن طلاب بالمدرسة رفض استلامها من المالية ونحن وهو بحاجة شديدة. ولما وصل الملك سعود لزيارة المعهد عام 1374هـ أعطاه كيساً أظن أنه فيه عشرة آلاف ريال عربي فضة وما أكثر العشرة الألف في ذلك الوقت فمنع من استلامه فاستلمه عنه الشيخ عبد الله القرعاوي ـ رحمهما الله ـ وكان لا يملك من الدنيا شيئاً رحمه الله. وقد هيأ الله له شيخه الشيخ عبد الله القرعاوي فكان قائماً بشؤونه إلى أن تعين بالمعهد عام 1374هـ ثم تحصل على راتب مائة وخمسين ريالاً كان ينفقها على الطلاب مع نفقات الشيخ عبد الله، ولما تعين مديراً للمعهد كان يصرف راتبه على أهله وعلى الطلاب والفقراء. بل كان بعض الفقراء له مقرر أسبوعياً يأخذه من الشيخ كل أسبوع. وقد زوجه الشيخ عبد الله بابنته عام 1367هـ وزوجه أيضاً على زوجتين خلاف ابنته حباً له وإكراماً لما يرى فيه من علم وحياء وأدب وزهد عن الدنيا. ومن أراد أن يعرف زهد الشيخ حافظ فليقرأ قصيدته الهائية وإليكم نصها قال ـ رحمه الله ـ:
ومالي وللدنيا وليست ببغيتي
ولا منتهى قصدي ولست أنا لها
ولست بميال إليها ولا إلى
رئاستها نتناً وقبحاً لحالها
هي الدار دار الهم والغم والعنا
سريع تقضيها قريب زوالها
ميا سيرها عسر وحزن سرورها
وأرباحها خسر ونقص كمالها
إذا أضحكت أبكت وإن رام وصلها
غبي فيا سرع انقطاع وصالها
فأسأل ربي أن يحول بحوله
وقوته بيني وبين أغتيالها
فيا طالب الدنيا الدنيئة جاهداً
ألا أطلب سواها أنها لا وفي لها
فكم قد رأينا من حريص ومشفق
عليها فلم يظفر بها أن ينالها
قد جاء في آي الحديد ويونس
وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها
وفي آل عمران وسورة فاطر
وفي غافر قد جاء تبيان حالها
وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ
وكم من حديث موجب لاعتزالها
لقد نظروا قوم بعين بصيرة
إليها فلم تغررهمو باختيالها
أولئك أهل الله حقاً وحزبه
لهم جنة الفردوس إرثاً ويالها
ومال إليها آخرون لجهلهم
فلما اطمأنوا أرشقتهم نبالها
أولئك قوم أثروها فأعقبوا
بها الخزي في الآخرى وذاقوا وبالها
فقل للذين استعذبوها رويدكم
سينقلب السم النقيع زلالها
ليلهوا ويغتروا بها ما بدا لهم
متى تبلغ الحلقوم تصرم حبالها
ويوم توفى كل نفس بكسبها
تود فداءً لو بنيها ومالها
وتأخذ إما باليمين كتابها
إذا أحسنت أو ضد ذا بشمالها
ويبدو لديها ما أسرت وأعلنت
وما قدمت من قولها وفعالها
بأيدي الكرام الكاتبين مسطر
فلم يغن عنها عذرها وجدالها
هناك ستدري ربحها وخسارها
وإذ ذاك تلقى ما إليها مآلها
فإن تك من أهل السعادة والتقى
فإن لها الحسنى بحسن فعالها
تفوز بجنات النعيم وحورها
وتحبر في روضاتها وظلالها
وترزق مما تشتهي من نعيمها
وتشرب من تسنيمها وزلالها
وإن لهم يوم المزيد لموعداً
زيادة زلفى غيرهم لا ينالها
وجوه إلى وجه الإله نواظر
لقد طال ما بالدمع كان ابتلالها
تجلى لها الرب الرحيم مسلماً
فيزداد من ذاك التجلي جمالها
بمقعد صدق حبذا الجار ربهم
¥