فبدأت أمشي بينالقتلى والجرحى .. وأتلفت بينهم أنظر .. فبينما أنا على ذلك .. إذ سمعت صوتاً يصيحمن ورائي ويقول:
أيها الناس ابعثوا إلي عمي أبا قدامة .. ابعثوا إليأبا قدامة .. !!
فلتفت إلى مصدر الصوت فإذا الجسد جسد الغلام .. وإذاالرماح قد تسابقت إليه .. والخيل قد وطأت عليه .. فمزقت اللحمان وأدمت اللسان .. وفرّقت الأعضاء وكسّرت العظام .. وإذا هو يتيم ملقى في الصحراء ..
فأقبلتوالله إليه .. وانطرحت بين يديه .. ثم صرخت بأعلى صوتي قلت:
ها أنا أبوقدامة .. ها أنا أبو قدامة!!
فقال: الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصيإليك فاسمع مني وصيتي ..
قال أبو قدامة .. فبكيت والله على محاسنه وجماله .. وبكيت والله رحمة بأمه المقيمة في الرقة التي فُجعت العام الماضي بأبيه وأخوالهوتفجع هذا العام به ..
قال أبو قدامة .. فأخذت طرف ثوبي أمسح الدم عنمحاسنه وجماله .. فلما شعر بذلك رفع بصره إلي وقال: يا عم تمسح الدم بثوبك! .. امسح الدم بثوبي لا بثوبك يا عمي ..
قال أبو قدامة .. فبكيت والله ولمأحر جواباً ..
ثم قال الغلام بصوت ضعيف .. يا عم أقسمت عليك إذا أنا متأن ترجع إلى الرقة .. ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه .. وأن ولدها قدقتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر .. وأن الله إن كتبني في الشهداء فإني سأوصلسلامها إلى أبي وأخوالي في الجنة ..
ثم قال .. يا عمي إني أخاف ألا تصدقأمي كلامك .. فخذ معك بعض ثيابي التي فيها الدم .. فإن أمي إذا رأتها صدّقت أنيمقتول .. وقل لها إن الموعد الجنة انشاء الله تعالى ..
يا عمي إنك إذا رجعتإلى بيتنا ستجد أختاً لي صغيرة عمرها 9 سنوات .. ما دخلت المنزل إلا استبشرت وفرحت .. ولا خرجت من المنزل إلا بكت وحزنت .. وقد فجعت بمقتل أبي العام الماضي وفجعتبمقتلي هذا العام ..
وإنها قالت لي: عندما رأت علي ثياب السفر .. ورأت أميتلف الثياب علي " يا أخي لا تبطئ علينا وعجّل الرجوع إلينا " ..
فإذارأيتها عمي فطيّب صدرها بكلمات وقل لها يقول لك أخوك الله خليفتي عليكِ ..
قال أبو قدامة .. ثم تحامل الغلام على نفسه .. وضاق نفسه في صدره .. وضعفصوته حتى لم أعد أفهم شيئا من كلامه ..
ثم تحامل الغلام على نفسه وقال: ياعمي صدقت الرؤيا والله .. صدقت الرؤيا ورب الكعبة .. والله إني لأرى المرضيّة الآنعند رأسي .. وأشم ريحها ..
قال ثم انتفض صدره .. وتصبّب العرق من جبينه .. ثم شهق شهقات حتى اشتد عليه الشهاق .. ثم مات الغلام من بين يدي ..
قال أبوقدامة .. فأخذت بعض ثيابه التي فيها الدم وجعلتها في كيس ثم دفناه .. ولم يكن عنديهم أعظم من أن أرجع إلى الرقة ثم أبلّغ رسالته إلى أمه ..
قال فرجعت إلىالرقة .. وأنا لا أدري ما اسم أمه .. ولا أين مسكنهم ومأواهم ..
فبينماأنا أمشي في طرقات الرقة .. إذ وقفت إلى منزل قد وقفت عند بابه فتاة صغيرة .. عمرها 9 سنوات تنظر في الغائدين والرائحين .. ما يمر بها أحد ترى عليه أثر السفر إلاسألته وقالت:
يا عمي من أين أقبلت؟ .. فيقول لها من الجهاد ..
فتقوللهم معكم أخي؟ .. فيقول ما أدري من أخوك .. ثم يمضي عنها ..
قال أبا قدامة .. فمر بها آخر فقالت له يا أخي من أين أتيت؟ .. فقال لها أقبلت من الجهاد ..
قالت معكم أخي؟ .. قال ما أدري من أخوكِ ثم مضى ..
قال فما زالت تسألالثالث والرابع والخامس والعاشر ..
ثم لما لم تسمع منهم جواباً بكت وخفضترأسها وقالت " مالي أرى الناس يرجعون وأخي لا يرجع "!!
يقول أبو قدامة .. فلما رأيت حالها كذلك .. أقبلت إليها .. فلما رأت علي أثر السفر وبيدي الكيس قالتلي: يا عم من أين أقبلت؟ .. قلت لها أقبلت من الجهاد ..
قالت معكم أخي؟ .. قلت أين أمكِ؟ ..
قالت أمي بالداخل ..
قلت قولي لها تخرج إلي ..
يقول أبو قدامة .. فلما خرجت غلي العجوز فإذا هي متلفعة بجلبابها .. فلماسمعت صوتها وسمعت صوتي قالت لي: يا أبا قدامة أقبلت معزياً أم مبشراً ..
فقلت لها .. رحمك الله بيني لي ما معنى العزاء وما معنى البشارة؟
فقالت: إن كنت قد أقبلت تخبرني بأن ولدي قد قتل في سبيل الله مقبلا غيرمدبر فأنت والله مبشر إذ قد تقبل الله هديتي إليه التي أعددتها منذ 17 سنة .. وإنكنت قد أقبلت تخبرني بأن ولدي قد رجع سالماً معه الغنيمة فأنت والله معزي إذ لميقبل الله تعالى هديتي إليه ..
قال أبو قدامة .. فقلت لها بل أنا واللهمبشر .. إن ولدك قد قتل في سبيل الله مقبلا غير مدبر .. وقد وطأت عليه الخيل .. وقدأخذ الله تعالى من دمه حتى رضي ..
فقالت: ما أظنك صادقا ..
قالوهي تنظر إلى الكيس .. والطفلة تنظر إلينا ..
قال ففتحت الكيس ثم أخرجتالثياب إليها .. يتساقط منها الدم .. ويتساقط منها لحم وجهه وشعره .. فقلت لها:
أليست هذه ثيابه .. أليست هذه عمامته .. أليس هذا قميصه الذي ألبستيه إياهبيدكِ ..
قال فلما رأت ذلك العجوز قالت .. الله أكبر وفرحت ..
وأماالصغيرة فقد شهقت ثم وقعت على الأرض ..
يقول فلما وقعت على الأرض ما زالتوالله تشهق .. ففزعت أمها .. ثم دخلت إلى البيت وأحضرت ماءً ترشه عليها .. أما أنافجلست عند رأسها أسكب عليها الماء وأقرأ عندها القرآن
فو الله ما زالتتشهق وتنادي باسم أخيها وأبيها .. وأمها عند رأسها تبكي .. فما زالت والله تشهق وماغادرتها إلا ميّته ..
قال فلما ماتت .. أمسكت أمها بيدها ثم جرّتها إلىداخل البيت ثم أغلقت الباب في وجهي ..
ثم سمعتها تقول: اللهم إني قد قدمتزوجي وإخواني وولدي في سبيلك .. اللهم فلعلك أن ترضى عني وأن تجمعني بهم في جنتك ..
قال أبو قدامة .. فأخذت أطرق الباب لعلها أن تفتح الباب أعطيها شي من المال .. أو لأحدث الناس بخبرها حتى يرتفع شأنها بينهم ..
فوالله ما فتحت ليولا ردّت إلي جواباً .. فوالله ما رأيت أعجب منها!! ..
اللهم إني أسألكالشهادة في سبيلك
اللهم بلغنا منازل الشهداء ولا تحرمنا أجرهم يارب العالمين
منقول للفائدة.
ماهو حال النساء اليوم؟ والله ليدمى القلب مما يرى!
وما هو حال الشباب لا أقول الذين أعمارهم (17) بل من تجاوزوها بكثير؟
نسأل الله العافية وصلاح أحوال المسلمين.
¥