قال فكشفاللثام عن وجهه .. فإذا بوجه كمثل القمر .. وإذا هو شاب غلام عمره 17 سنة .. فقلتله: يا بني عندك والد؟ .. فقال أبي قد قتله الصليبيون وأنا خارج أقاتل الذينقتلوا أبي.

فقلت له أعندك والدة؟ .. قال نعم

فقلت ارجع إلى أمكفأحسن صحبتها فإنك إذا أحسنت صحبتها فإن الجنة تحت قدميها ..

قال أبو قدامة .. فتعجب مني الغلام وقال: سبحان الله أما تعرف أمي؟

قلت له لا والله ماأعرف أمك ..

فقال أمي هي صاحبة الوديعة .. قلت وأي وديعة؟

قال أمي هيصاحبة الشكال .. قلت أي شكال؟

قال الغلام سبحان الله ما أسرع ما نسيت .. أما تذكر المرأة التي أتت إليك البارحة ثم أعطتك الكيس والشكال " الحبل الذي تربطبه فرسك " .. قال أبو قدامة:

فقلت بلى ما خبرها؟ ..

قال تلكوالله أمي أمرتني أن أخرج إلى الجهاد وأقسمت علي أن لا أرجع إليها .. وقالت لي " يابني إذا لقيت الكفار فلا تولهم الأدبار واهب نفسك لله واطلب مجاورة الله ومساكنةأبيك واخوانك في الجنة .. فإذا رزقك الله الشهادة فشفع فيَّ " ..

ثم ضمتنيإلى صدرها ورفعت بصرها إلى السماء وقالت " إلهي وسيدي ومولاي .. هذا ولدي .. وريحانة قلبي .. وثمرة فؤادي .. سلمته إليك فقربه من أبيه وأخواله "

قالأبو قدامة .. فعجبت والله من هذا الغلام .. ثم عاجلني الغلام بقوله " فسألتك باللهيا عمي يا أبا قدامة أن لا تحرمني الغزو في سبيل الله معك .. أنا انشاء الله الشهيدابن الشهيد .. فإني حافظ لكتاب الله عارفٌ بالفروسية والرمي فلا تحقرني لصغر سني "

قال أبو قدامة .. فلما سمعت ذلك منه لم أستطع والله أن أرده فأخذناه معنا ..

فوالله ما رأينا أنشط منه إن ركبنا فهو أسرعنا .. وإن نزلنا فهو أنشطنا .. وهو في كل أحواله في الطريق وفي النزول لا يفتر لسانه عن ذكر الله جل جلالهأبداً ..

فنزلنا منزلاً لما أقبلنا إلى الثغور مع غروب الشمس وكنا صائمين .. فأردنا أن نطبخ فطورنا وعشاءنا ..

فلما نزلنا أقسم الغلام علينا ألايصنع لنا الفطور إلا هو .. فأردنا أن نمنعه عن ذلك إذ هو لا يزال في تعب شديد منطول الطريق وعسره .. لكنه أبى علينا ذلك ..

فلما نزلنا قلنا له: تنحّى عناقليلا حتى لا يؤذينا دخان الحطب ..

قال فجلسنا ننتظر الغلام .. فأبطأعلينا شيئا يسيرا فقال لي بعض أصحابي .. يا أبا قدامة اذهب إلى صاحبك فانظر لناخبره فما هذا بصنع فطور ولا طعام قد أبطأ علينا كثيرا!!

قال فلما توجهتإليه فإذا الغلام قد أشعل النار في الحطب وقد وضع من فوقها القدر .. ثم غلبه التعبوالنوم ووضع رأسه على حجر ثم نام ..

فلما رأيته على هذا الحال .. كرهتوالله أن أوقظه من منامه .. وكرهت أن أرجع إلى أصحابي وليس معي طعام لهم ..

فلما رأيت حاله كذلك .. قلت في نفسي أنا أكمل الفطور لأصحابي .. فأخذتأصنعه شيئا يسيرا وأسارق الغلام النظر خلال ذلك ..

فبينما أنا أنظر إلىالغلام .. إذ لاحظت أن الغلام بدأ يتبسم .. ثم اشتد تبسمه .. فتعجبت والله من تبسمهوهو نائم ..

قال أبو قدامة ثم بدأ الغلام يضحك .. ثم اشتد ضحكه .. ثماستيقظ من منامه ..

قال فلما رأيت الغلام على ذلك عجبت والله .. فلمااستيقظ ورآني فزع الغلام وقال:

يا عمي أبطأت عليكم .. قلت له ما أبطأتعلينا .. قال دع عنك صنع الطعام أنا أصنعه لكم أنا خادمكم في الجهاد ..

قلتله لا والله ما تصنع فطوراً ولا طعاماً حتى تحدثني بشأنك .. ما الذي جعلك في منامكتضحك!! .. ومن الذي جعلك تتبسم؟ .. هذا أمر عجيب!!

فقال الغلام يا عميهذه رؤيا رأيتها .. قلت له بالله عليك ما هذه الرؤيا؟

قال دعها بيني وبين الله تعالى .. قلت له أقسمت بالله عليك أن تحدثني بهذه الرؤيا!!

فقال الغلام .. رأيت يا عمي في منامي أني قد دخلت إلى الجنة .. فإذا هي في حسنها وبهاءهاوجمالها كما أخبر الله عز وجل في كتابه .. فبينما أنا أمشي فيها وأنا في عجب شديدمن حسنها وجمالها .. إذ رأيت قصراً يتلألأ أنواراً .. لبنة من ذهب ولبنة من فضة .. وإذا شرفاته من الدر والياقوت والجوهر وأبوابه من ذهب .. وإذا ستور مرخيّة علىشرفاته .. وإذا بجوارٍ يرفعن الستور وجوههن كالأقمار ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015