حي؛ وأدرنا أبصارنا يميناً وشمالاً لنرى الربوات الخضر المحشودة بأشجار الصنوبر والزيتون وغيرها من الأشجار والأزهار، بينما بقعة القبر جافة جرداء!.وتطلعت جهة الغرب فرأيت الأحراش في السهل المنخفض الممتد، فمارت بي الذكرى .. هنا إذن وفي هذه البقعة خرج شكيب إلى الحياة، وفيها نشأ ودرج، وفيها قضى ردحاً من حياته، ومنها خرج إلى بيروت، ولوزان، ثم إلى جنيف، ثم إلى بقاع الأرض المختلفة: في آسية، وإفريقية، وأوربا وأمريكا إذ هاجر هجرته الطويلة الواسعة في سبيل العروبة والإسلام. وإلى هذه البقعة عاد شكيب سنة 1946م، بعد أن طالت هجرته حتى قاربت الثلاثين عاماً، وفي هذه البقعة قضى أيامه الأخيرة يجدد ذكرياته القديمة، ويرى وجه أمه التي طالما تلهف على رؤيتها، والتي كان يخشى أن تموت قبله، فأراد القدر غير ما خاف، فسبقها إلى عالم الغيب، وماتت هي بعده؛ وظل أهل الشويفات يذكرونها بالخير، فقد كانت من شهيرات فضليات النساء في قومها؛ ويستقبل وفود المهنئين له بعودته، ويحس بالفرحة الكبرى لتحرر وطنه وعودته إلى مسقط رأيه ليختم فيه حياته، وفي هذه البقعة كانت خاتمة شكيب، حيث توفي في بيروت في التاسع من ديسمبر سنة 1946م، إلى هنا حملوه وأودعوه التراب!. يا لجلال الذكرى، ويا لروعة المصير! هكذا يأتي كل عظيم إلى الحياة، ويقضي ما يقضي، ثم يمضي، ويخلف وراءه ذكرى. أكل هذا في التراب؟ آه من هذا التراب!، إننا نرى الآن أحجاراً وتراباً، ولكنا نرى من خلفنا ذلك حياة ضخمة، وتاريخاً كبيراً. وتطلعنا فوجدنا بجانب القبر حجرة على هيئة القبة، فسألنا عنها فقيل: إن بدخلها قبر أخويه نسيب وعادل، وقبر أمه " السيدة الوالدة"، " أم البنين " كما كان يعبر عنها شكيب، والتي يضيء أبناء الشويفات على قبرها الشموع من حين لحين، لأن الشويفات ـ كما يتحدث أهلوها ـ لم تشهد سيدة أعظم منها!.وأحضروا لنا مفتاح الحجرة فدخلناها، ووجدنا حول الأجداث بداخلها أكاليل من الزهور، فهذا إكليل باسم " مدرسة الحكمة وجامعة متخرجيها"، وهذا إكليل باسم" بلدية بعبدا وتوابعها"، وهذا إكليل باسم " مدرسة النهضة بالشويفات ".هنا أكاليل، وهناك غير بعيد قبر شكيب بلا أكاليل ... ولكن، لا أسى، فالأكاليل هنا قد أتى عليها الجفاف، فغاضت خضرتها، وتساوى الجفاف هنا وهناك، وإن لم يتساو البناء، فهنا قبة أو حجرة، وهناك جدث مكشوف للعراء والهواء!.ودنت منا عجوز فسألها بعض الرفقة عن اسمها، فأجابت " ورد شبل المحير "، فعاد يسألها: لِمَ لِمَ يبن لشكيب قبر كأخويه وأمه؟ فأجابت: اسألوا الأمير غالب، فقد ترك الأمير شكيب مالاً يكفي لبناء قبور لا قبر واحد، فأين ذهبت؟ وتذكرت شأن أمير البيان قد جدد في حياته قبر السيد علي بن ميمون، وأشار إلى ذلك في تعليقاته على تاريخ ابن خلدون، وها هو ذا اليوم لا يجد من يبني له قبرا، أو من يسويه على الأقل بأمه وأخويه في المستقر الأخير. وما كان شكيب كذلك، وإنه لحي خالد في قلب كل منصف وعقل كل مفكر، بما خلف من آثار تدور حول العروبة والإسلام .. ودنت الشمس للمغيب، فأخذنا نقطع خطانا في بطء، لنهبط من الربوة إلى الطريق، وكأننا قد نزعنا أيدينا للتو واللحظة من تسوية التراب على رفات أمير البيان شكيب أرسلان!. اهـ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015