أمّا قولنا "الجماعة"، فنعني به: الرفقة الصّالحة. وهي التي إذا رأيتَها تذكّرتَ بطنك، وإذا تكلّمَتْ أسالت لُعابَك، وإذا شرَعَتْ في الأكل فتحَتْ شهيّتك. ومن فضائلها: أنّ الراغب عن الأكل يلتهم اللقمة تلو اللقمة، والراغب فيه لا يصل إلى حدّ التخمة. فالبرَكة تحفّها من الجانبين، والشهيّة معها مضمونة للأجوفَين. وفي عِلم المطعوم: من فاتته الجماعة، فاته القضاءُ أيضًا. فتنبَّه!

وأمّا "الغيث"، فالمقصود هو: القَطْر. ألمْ تسمع قول الجزّار الشاعر:

لئنْ أمْحَلَت أرضُ الكُنافةِ إنّني --- لأرجو لها مِنْ سُحْبِ راحتِه القَطْرَا

إذ لا كنافة دون قَطْر. والقطر يجب إسباغه؛ لأنّه إذا هطل على طبق الكنافة لانَتْ، وإذا لانَتْ ساغتْ، وإذا ساغت كانت غذاءًا وشفاءًا."

ولم أعجَب مِن سِرّ إقبالي على الكنافة، قدر ما عجبتُ مِن الفقيه الكامن في إهاب أخي الشاعر الفلسطيني، ضُمِّخَت ذِكراه مِن أنيس!

تذكّرتُ هذا كلّه لمّا طربتُ لبَيْتَي القصيبي، ثم عجبتُ لهذا الطرب القاهر، وفي النفس ذكرى تلك القصيدة التي لم ترقني ... وقلتُ في نفسي: ربّما كانت عجينة القصيبي في تلك القصيدة "انتهت صلاحيتها" –كما يقال- وأصرّ على أن يصنع منها كنافة .. وربّما خانه القَطْرُ .. وربّما تناولتُها على امتلاء .. وربّما لم أصحّح النّيّة عند قراءتها .. لكنّني بعد أن قرأتُ بيتَيه في الشَّيب، انفتح قلبي على شِعرِه كلِّه، انفتاحَ نفسي للكنافة ...

هذه هي قصّتي مع بيتَي القصيبي اللذين جاد أخونا "خزانة الأدب" باختيارهما ضمن "العيون" ...

فهلْ أطلْت؟

أطَلْتُ، والله .. أطَلْت!

وكان أنْ أوْحى لي البيتان بأبيات، فأبيتُ إلّا الإفضاء بها إلى روّاد "الألوكة". أهديتُها إلى الأخ "خزانة الأدب". وهذا نصّها:

يا مُهْدِيَ الدُرّتَيْنِ ///////// قتلْتَني مرّتَينِ

أثَرْتَ بالشّعرِ صَبّا ///////// يهواه بالأَصْغَرَيْنِ

وبالمشِيبِ حنينًا ///////// إلى الصِّبا بَعْدَ بَيْنِ

فَمِلْءُ دَمعيَ عَيْنِي ///////// ومِلْءُ قَلْبِيَ حَيْنِي

ومِلْءُ حُزْنِيَ روحِي///////// تبكي صَدَى الهِجرَتَيْنِ

تَبكي الشّبابَ تَناءَى ///////// تَنائِيَ الخافِقَيْنِ

والشّعْرَ أصبح أعتى ///////// مِن عاقِد الحاجِبَيْنِ

ها أصبح الدُّرُّ جمرًا ///////// وبُؤْتُ بالجمْرَتَيْنِ

///////// ///////// /////////

يا مُهدِيَ الدُرّتَيْنِ ///////// أَنّى أتَيْتَ بِذَيْنِ؟

مِنْ عبْقَرِ الشّعْرِ تُحْذِي؟ ///////// أمْ مِن جَنَى الجَنّتَيْنِ؟

أمْ مِنْ بَريقِ الحنايا ///////// يَخْتالُ في المقلتَيْنِ؟

حيّرْتَني قبْلَ "يارا" ///////// وقاطِنِ المَحبسَيْنِ

ونافثِ الشّعْرِ دُرّا ///////// يُضيءُ كالفَرْقَدَيْنِ

هل آدَك الشّيْبُ خافٍ؟ ///////// أمْ ما يُرى رأْيَ عَيْنِ؟

أمِ البياضُ تَفَشّى ///////// فألْهَبَ الجانِبَيْنِ؟

ما لي أرى الشّعْرَ غَضّا ///////// فلا أرى أَيْنَ أَيْنِي؟!

ينْأى الشّبابُ وتَبْقَى ///////// ذِكْراهُ في النّاظِرَيْنِ

والدّهْرُ ليس بِباقٍ ///////// إلّا مع المَشْرِقَيْنِ

كالنّهْرِ ليس بِجارٍ ///////// إلّا مع العُدْوَتَيْنِ

ولِلشّباب مَعانٍ ///////// جَمِيعُها مَحْضُ مَيْنِ

شهيّة طيّبة!

ـ[العاصمي من الجزائر]ــــــــ[08 - Oct-2010, مساء 08:32]ـ

لست أدري من أيّ أمريك أعجب أستاذنا الفاضل؟

أمن نثرك أم من شعرك!!

ـ[ذو الوزارتين]ــــــــ[08 - Oct-2010, مساء 11:03]ـ

كما عهدناك دائما أيها الشيخ .. متأنقا متألقا، تعرف من أين تؤكل "الكُنافة".

وجدتُني مرّات وجها لوجه أمام "الكُنافة"، وقد ظننتُها في أوليات اللقاء ـ والظنّ أكذب الحديث ـ أخت "القطايف" (وما أدراكَ ما "القطايف" المحشوة باللوز و"حلوة الترك" في سهرات رمضان)، لكنها خيّبت ظني عند أول لقاء .. لقائها بطرف لساني، فابتلعتُ اللقمة التي رفعتها إلى فيّ وأنا أحاول حبس أنفاسي حتى لا أحس بطعمها في الحلق!! على استحياء من رفقة كريمة عزمتني، أنا الغريب حينها (ولا أزال، وإن كانت الغربة غير الغُربة)، ومنذ أول عزومة اكتشفتُ فيها "الكُنافة" في نجد، لم تهفُ نفسي إليها بعد ذلك لا في الشام ولا في غير الشام.

لم هذا التحامل على "الكُنافة"؟ عليّ أن أعترف أن الذنب ليس ذنبها هي، بل الذنب ذنب ذوقي الذي لا يهوى "الجُبن" [أعاذنا الله من الجُبن] ولا الدهن الذي يتخلل جسمها، وقد اشتهى الشاعر (مُصطفى) زين الدين الحمصي (ت1319هـ/ 1901م) كنافة بالجبن فقال:

أيا لله ما أحلى الكُنافَهْ ... بجُبن بل بقطر سُكَّرِيِّ

ورغم أن حدسي أخبرني أن الكُنافة أنواعٌ قد لا تكون تلك المصنوعة بالجبن أفضلها (لستُ شاميا لأعرف ذلك، ولا خبيرا بفنون الطبخ وإعداد الحلويات)، إلا أنني رفضتها جميعا رفض شيخ المعرة الشعر "رَفضَ السَّقْبِ غَرسَه، والرَّأْلِ تَريكَتَه"، ولم أزل أحنُّ إلى "قطايف" لم يُكتب لي أن آكلها في رمضان، فقد أعدّتها أمّ العيال في بداية الشهر، وبينا أنا مشغول شارد الذهن أفقتُ على صُراخها فلما توجهت صوب المطبخ وجدت التنّور يقذف بشرر أتى على الطبق فغادره مُتفحما، ولولا لطف الله لتحولت الحلوى إلى بلوى!

أما القصيبي، رحمه الله، فقد قرأتُ له أول ما قرأتُ قصيدته البديعة التي افتتحها بقوله:

خمسٌ وستُونَ .. في أجفان إعصارِ ... أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟

وفيها أبياتٌ رائقةٌ جزلة جعلتني أصنفه ضمن قائمة الشعراء المُعاصرين الذين ينبغي على الأديب تتبع ما يكتبون.

هذا هامش القصة، أغراني نصك الجميل وشعرك المتلألئ تلألأ (الدرّتين) بتسطيره [شيخَنا الواحديّ]، ولا مَناص من شكر (خزانة الأدب) أيضا فلولا ذوقه الرفيع لما كان لهذا الفصل من فصول المجلس العلمي وجود.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015