تَأمَّلْ: {دِيناً قِيَماً}؛ قِيَمٌ في عَقائِدِهِ، قِيمٌ في شرائِعِهِ وأحْكامِه، قِيَمٌ فِي مُعامَلاتِهِ، قِيَمٌ في آدَابِهِ وأَخْلاقِهِ!، وما كانَ هذا شَأنُهُ فلا بُدَّ مِنْ عُلُوِّهِ فِي الحَياةِ كُلِّها كَما أرادَ اللهُ تعالَى لَهُ أنْ يَكُون، لا كَما يُرِيدُ لهُ مَنْ أَلِفُوا العُبُودِيَّةَ والمَهانَةَ؛ وكَبَّلَتْهُمْ قُيُودُ التَّبَعِيَّةِ وأصفادُ الانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأمَم.
وأوَّلُ ما عَلَيْنا أنْ نَعِيَهُ:
فِي فَنِّ الحِياطَةِ للمُسْتَقْبَلِ وتَحْصِينِ أبْناءِ أُمَّتِنا مِنْ (مَخاطِرِ الانْفِتاحِ وأضرارِهِ) هُوَ أنْ نَتَعَلَّمَ تَسْلِيطَ المُعالَجَةِ عَلَى الكُلِّياتِ التي بِصَلاحِها تَصْلُحُ كَثِيرٌ مِنَ الجُزْئِيَّات؛ كَما يَفْعَلُ الطبِيبُ حِينَ يُسَلِّطُ الداوءَ عَلى أَصْلِ الداء، أما إهْمالُ الكُلِّيِّ والانْشِغالُ بالجُزْئِيِّ فِمِنْ شَأْنِهِ أن يُمَكِّنَ للأدْواءِ مَن الجَسد حَتَّى تَفْتِكَ بِهِ أوْ يَتَعَسَّرَ عَلَى الحُذَّاقِ عِلاجُها.
تَحَدَّثَ الناسُ عَنْ آثارِ الانْفِتاحِ وما مَضَتْ عَلَيهِ سِوى سَنَواتٍ مَعْدوداتٍ، وقَدْ رَأَوْا نُذُرَ الخَطَرِ تُلَوِّحُ بأَعْلامِها فِي كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْب!، بِهَدْمٍ لأرْكانِ الإسلام؛ وتَفْكِيكٍ للراوَبِطِ الاجْتِماعِيَّةِ منَ الأسْرَةِ فَما فَوقَها؛ وقَضاءٍ عَلَى ما بَقِيَ مِن الأخْلاقِ؛ ومَزِيدٍ مِنَ الفَقْرِ والمَرَضِ والجَهْلِ بمَكانِنا ومَكانَتِنا في الحياة، ولَوْلا أَنَّنِي أَكْرَهُ اسْتِعْراضَ الحَوادِثِ تَفْصيلاً كما يَفْعلُ الناسُ لأتَيْتُ مِنَ الشواهِدِ علَى هذا بِكثيرٍ القصص!؛ وما عَلَى مَنْ أرادَ شَيئاً مِنْ ذلكَ إلا أنْ يَسْتَعْرِضَ شَبَكَةَ الحاسُوبِ وسَيَرَى مالا يَحْمَدُهُ إنْ كانَ مَمَّنْ بَقِيَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ خُلُّقٍ ودين!.
أمَّا أنَّ الجُهُودَ التَّرْبَوِيَّةَ ضُرُورِيَّةٌ لِمُواجَهَةِ هذهِ الأخْطارِ فَنَعَمْ؛ وكَثِيرُونَ مَنْ طَرَحُوا هَذا؛ سَلَّمْنا، لَكِنَّ الذي رَأَيْناهُ وعَرَفْناهُ؛ والذي فَهْمْناهُ مِنْ دِينِنَا وتَارِيخِنا؛ والذي لا يُنازِعُ فِيهِ المُحَقِّقُون وإن اخْتَلَفَتْ الألْفاظُ المُعَبِّرَةُ عَنْه؛ أنَّ للتَّرْبِيَةَ رُكْنَين لا غِنَىً لأحَدْهِما عَنِ الآخر؛ وأنَّها لا تُؤْتِي ثِمارَها إلا بِهِما:
الأولَ: الجُهْدَ الذي يُبْذَلُ لإصْلاحِ الفَرْدِ؛ أو قُل: (الترْبِيَةَ الفَرْدِيَّةَ) بِشِقَّيْها: 1 - غرسِ الأصولِ العقائِدِيَّةِ والقِيَمِ الأخْلاقِيَّةِ؛ 2 - وتَنْمِيةِ الْمَعارِفِ والمَهارت.
والثانِيَ: الترْبِيَةَ (الجَمْعِيَّةَ)؛ وهِي التي يَحْصُلُ بِها الأثَرُ المُتَبَادَلُ بَيْنَ الفَرْدِ والمُجْتَمَع، حَتَّى يُؤَثِّرَ كُلٌّ مِنْهُما فِي الآخَرِ؛ فَتَكُونَ النَّتِيجَةُ تَلاحُماً وبِناءً وتَقْوِيماً ونَفْياً للدخيل.
والحَقُّ أنَّ هذا الثانِي كالثَّمَرَةِ بالنِّسْبَةِ للأَوَّل!، بلْ لا يُؤتِي الأَوَّلُ ثِمارَهُ إلا بِذلك، كما ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَمَ أنهُ مَثَّل لِتَلاحُمِ المُؤْمِنِينَ بالبُنْيان، وأنْتَ خَبيرٌ بأنَّ لَبْناتِ البِناءِ مَهْما اعْتِنِيَ بِها وأُحْكِمَ إعْدادُها فَلَنْ تُؤْتِيَ أُكُلَها إلا إذا أُحْكِمَتْ القَواعِدُ؛ وَوُضِعَتْ كُلُّ لَبِنَةٍ في مَوْضِعِها؛ لا تَتَقَدَّمُ واحِدَةُ عَنْ أخْتِها ولا تَتَأخَّرُ عنْها، قَدْ وَثَّقَ المِلاطُ - (وهُو ما يُجْعَلُ بَيْنَ اللبِنَتَيْنِ مِنْ طِينٍ وجِصٍّ ونَحْوِه) - ما بَيْنَهُنَّ حَتَّى صِرْنَ كَلَبِنَةٍ واحِدَةٍ؛ وأُخْرِجَ مِنْ بَيْنِهِنَّ كُلُّ ما لا يَصْلُحُ للبِناءِ مِنَ اللبِنات، فَهْذه هِيَ الأُصُولُ التي يَقُومُ البِناءُ علَيْها؛ ويَتَماسَكُ بِها وإلا كانَ عُرْضَةً للسقُوطِ والزوال.
وهذا الحديثُ النبَويُّ وما كانَ مِنْ بابِه يَنْتَظِمُ أصُولاً عَظِيمَةً فِي سِياسَةِ الفرْدِ والأمَّةِ، وفيهِ بَيانٌ لما أرَدْناهُ مِنْ أنَّ (الترْبِيَةَ الفَرْدِيَّةَ) وإنْ كانَتْ ضُرْورَةً لا غِنَىً عَنها إلا أنَّها تَحْتاجُ إلى قِيامِ المُجْتَمَعِ باسْتِثْْمارِها والعِنايَةِ بِما يُكَمِّلُها.
¥