وأَخالُكُ - كانَ الله لي ولك – فيما أَصْنَعُهُ مِنَ الاسْتِطْرادِ والتطْويلِ في (مُسامَراتِنا) هذه بينَ مُؤَيِّدٍ يَرَاها فُرْصَةً سانِحَةً لاقْتِناصِ ما أَمْكنَ مِن فَرائدِ الفوائدِ!؛ ومُعارِضٍ يُرَجِِّحُ جانِبَ الاخْتِصارِ في زَمَنِ الاخْتِصار!، وبينَ هذا وذاك آراءٌ وآراءٌ!، ولله الحِكْمَةُ البالغة.
أما أنا فأَكْرَهُ الاخْتِصارَ!، وأُشْفِقُ على الفائدَةِ أنْ تَبْقَى حَبِيسَةَ فِكْري وعَوَاناً في صَدْري؛ بَعْدَ أنْ بَذَلتُ في تَحْصِيلِها وجَمْعِها وضَمِّها إلى نَظائِرها رُبُعَ قَرْنٍ من الزمانِ بل أكثر!، وأَرَانِي أتَحاشَى الحَشْوَ فيما أَكْتُبُ ما اسْتَطَعْتُ إلى ذلك سَبيلاً؛ وأتَخَوَّلُ القارِئَ بالفائِدَةِ بعْدَ الفائِدَةِ مَخافَةَ السآمَة.
ولَسْتَ بِمَلُومٍ وإنْ خالَفْتَني في ذلك، فالمَوْطِنُ يَتَّسعُ للخِلافِ ولله الحَمد؛ وذاكَ هُوَ شأْنُ العَقْلِ البَشَرِيِّ، قادِرٌ على مَدْحِ ما يَشاءُ وذمِّ ما يَشاءُ!، مُتَناقِضٌ!؛ قدْ يَمْدَحُ الشيءَ تارَةً ويَذمُّهُ أخرى!؛ وكلُّ ذي رأْيٍّ أو مَذهبٍ أو نِظامٍ أو عَقيدَةٍ يَرَى ما هُوَ عَلَيهِ حَقّا ويَراهُ مُخالِفُوهُ باطِلاً!!.
وقِصَّةُ جُحا معَ حِمارِهِ دليلٌ لهذا!:
فقد حَكى حَمَلةُ الآثارِ ورُواةُ الأخبارِ أنَّ (أبا الغُصْنِ جُحا) قَصدَ السوقَ يَوماً راكِباً على حِمارٍ لهُ وقدْ أرْدفَ وَلدَهُ خَلْفَه، فَمَرّ على نَفَرٍ جُلُوس؛ فقالَ قائلُهم: ألا تَرَوْنَ إلى هذينِ وقدْ نَزَعَ الله الرّحْمَةَ منْ قَلْبَيْهِما؛ فلم يَرْحَما الدابَّةَ ولم يُشْفِقا عَلَيها!، فتَركَ ولدَهُ على ظَهْرها ومَضى يَمْشي؛ حتى أَتى على قَوْمٍ آخَرينَ؛ فَلَما رَأوْهما قالوا: وَلَدٌ لا أَدَبَ عِنْدَهُ!؛ ولم يُحْسنْ أبوهُ تأَدِيبَه!!، فأَمَرَ ولَده بالمَشْيِ ورَكبَ هو؛ فلَما كانا بِبَعْضِ الطريق سَمِعَ من يَقُول: شيخٌ قسا قَلْبُهُ؛ ولا يَرْأفْ بِحالِ صَبِيِّهِ الصغير!، فنزلا عن حِمارِهما يَمْشيانِ وخَلَّياهُ؛ فقيلَ والله أَعْلَمُ بالقائل: ما رأيناَ أَحْمقَ مِن هذينِ!؛ يَمْشِيانِ على أَقْدَامِهِما؛ والحِمارُ وحده؛ وما خَلقَ الله الحميرَ إلاّ لِتُركب!!.
وقيل: فما كانَ مِنْهما إلاّ أنْ حَملا الحِمارَ ومَضَيا به!!!.
و لَعْمْرُ اللهِ إنْ كانَتْ إلاّ مِن بَدائعِ الحِكَم!؛ وهاكَ إن شِئتَ شِعْراً نَظَمْتُهُ في التَعْليقِ عليها؛ والعَنْدمُ في البَيتِ الخامس: الدَّمُ، وجَعْدُ اليَدَينِ في البيتِ السابع: البَخيلُ. (والنظْمُ مِنْ بحرِ المُتقارب)؛ فقلتُ:
وأَحْلِفُ باللهِ لنْ يِسْلَما وإن مَرَّ دَهْرٌ ونالاَ السمَا
فَدَعْكَ فَمنْ في الوَرَى كَجُحَا يُقِلُّ الحِمارَ وما اسْتَسْلَما
خَلِيلََيَّ دُنْيا وَجَرّبْتُها تُرِيكَ الثَّرى قَد غَدا أَنْجُما!.
وَكُلٌّ يُريكَ بِها ما يَرَى فكمْ مَنْ يَقُولُ؟ ومَنْ؟ وفَما؟!.
فَلَوْ قُلتَ: دِجْلَةُ شَهْداً جَرى!؛ لَقِيلَ: الفُراتُ جَرى عَنْدَما!.
وكَمْ مِنْ عَيِيٍّ بِها باقِلٍ يُقالُ: أَبانَ كَما أَفْهَما!.
وَجَعْدِ اليَدَينِ بَدا حِرْصُهُ!؛ يُقالُ: الجَوَادُ!؛ وغَيْثٌ هَمى!.
وَهَذا يَئِنُّ؛ وهذا يَرِنُّ!؛ لِحَقٍّ يَضيعُ؛ ومَالٍ نَما!.
فيارَبُّ ما لي بِها حِيلَةٌ؛ وأَنْتَ المُعِينُ على كُلِّ ما
وصانَ الإلَهُ جُحا وابْنَهُ؛ وَدُوما لَنا طُرْفَةً واسْلَما!.
سَفِينَةُ النَّجاةِ في بَحْرِ المَهالك:
ولأجْلِ هَذا الذي شَرَحتُ لكَ منِ اضطِرابِ العُقُولِ البَشَريَّةِ واصطِلامِها كانَ الإنِسانُ في دُنْياهُ كَمَنْ أشْرَفَ في طَريقِ سَفَرهِ على غابَةٍ كثيرَةٍ الشعابِ والمَخاوِفِ ولا مَناصَ لهُ مِنْ سُلُوكِها؛ فَليسَ يَسلمُ إلا بِدَليلٍ خِرِّيتٍ (ماهرٍ) عالمٍ بِمَخاطِرها وطُرُقِ النجاةِ فيها!.
وتَعَيَّنَ على الإنسانِ بل على البَشريةِ كُلِّها أنْ تَرْجِعَ إلى مِيزانِ قِسطٍ وعَدْلٍ لا يَتَأَثَّرُ بِما تَتَأثَّرُ بهِ الموازِينُ البَشَرِيَّةُ المُخْتَرَعَةُ مِنَ المُيُولاتِ النّفْسيَّةِ والأهواءِ القَلْبِيَّةِ.
¥