"و من الرقائق التي خطرت ببالي هوّ, أنّه في كثير من الأحيان, تعريف ما هوّ "معنوي" أو "أدبي" في اللغة العربية, أوثق و أوضح ممّا هوّ مادي. و ذلك لتبيان أنّنا لسنا بحاجة إلى التوهان في البحث عن التعريفات و المفاهيم. فلغتنا تغنينا عن ذلك. تذكروا معي حديث رسول الله صلّى الله عليه و سلّم في الإسلام و الإيمان و الإحسان
الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً
الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره
الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك
هذه المفاهيم هيّ مفاهيم غير مادية و يعرفّها رسول الله صلّى الله عليه و سلّم, بأبلغ ما يكون, بحيث أنّ المعنى لا يمكن له أن يتزحزح قيد أنملة عن التعريف.
وآلنأخذ الآن كلمة "حديد"
, هوّ معدن: الحديد.
الكلّ يعرفه. نعرفه بترقيمه الكيميائي أيضا, إن أردتم.
المسمّى و التعريف واضحين هنا.
ليس تماما ..
" فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ?لْيَوْمَ حَدِيدٌ " ق22. هنا, كلمة "حديد" يمكن توجيهها إلى أمر آخر غير المعنى المتعارف عليه.
هل يمكن توجيه كلمة إسلام إلى أمر آخر؟
الجواب: لا."
أعود إذا و أقول أنّ المفاهيم معرّفة بشكل دقيق في لغة العرب و في الفقه الإسلامي.
طيّب! أين تكمن الخطورة في عدم التأكّد من وضوح المفاهيم؟
أعطيكم مثالا من الحياة و التاريخ الإنساني.
قد يضنّ البعض أن المثال بسيطا و لكن يعلم الله كم إنجرت عنه من المآسي و الإبتلاءات و الحروب.
في اللغة الأرامية القديمة كانت كلمة "أب" تعني ممّا تعنيه التعظيم و ليس فقط الإشارة إلى الأب البيوليوجي. فيقال لزعيم القبيل "أب" و يقال لعظيم من العظماء "أب" حتّى أنّهم وصفوا الله, جلّ و على علوا كبيرا, بهذه الكلمة للتعظيم. و عندما ترجمت التورات من الأرامية إلى لغات أخرى, بقيت الكلمة على حالها و غاب معناها, فتوّجه الناس إلى إستعمال الكلمة بمفهومها البيوليوجي. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وتعلمون ماإنجرّ عن هذا المفهوم من قول النصارى و المشركين في أنّ عيسى المسيح, عليه و على نبينا السلام, من أنّه إبن الله, وقدّ كفروا بذلك," مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبً"
أكتفي بهذا المثال لتبيان أهمّية تحديد المفهوم على أمل كتابة خاطرة لي في هذا الموضوع لاحقا, إن شاء الله.
نعود. ما علاقة هذا بالرياضيات؟
إنّ إضافة الصفر في الأرقام ليست لضرورة عملية فقط كي لا تكتب الأرقام بشكل طويل كما يضنّ البعض. بل إنّ إضافة الصفر هيّ إضافة لرقم محايد يمكّن من تشكيل بنية رياضية تسمح بعمليات مبدأية كالجمع و الطرح و الضرب و القسمة و تسمح أيضا بالتوسع في النشاط حتّى الحصول على بنى جبرية لم يكن بالإمكان الحصول عليها دون هذا العنصر المحايد كبنية الزمرة.
يعني أنّ الفقه الإسلامي في الرياضيات تفكير من ركائزه البنى.
ونفهم من هنا لماذا لا نستطيع القيام بعمليّة الجمع بالأرقام الرومانية لأنّ الأساس من أرقامهم كان العدّ فحسب. فوقعوا في مطبّين أولّهما أنّه لا يستقيم العدّ عمليّا بهذه الأعداد مع الأرقام الكبيرة و ثانيهما أنّهم لا يستطيعون القيام بأبسط العمليّات. أمّا النتيجة الأخطر فهي تقييد هذه الأرقام للتفكير الرياضي كما يقيّد الفقر اللّغوي التفكير الإنساني. و هذا موضوع آخر نتناوله, إن كتب الله لنا ذلك, لاحقا.
هذا إذا مثال مقارنة بين أسلوب التفكير الرياضي في الفقه الإسلامي و أسلوب التفكير الرياضي القديم.
هل تريدون مثالا من الرياضيات الحديثة؟
بما أنّي وحدي الآن في الغرفة أعتبر أنّ الجواب نعم.
لنأخذ طريقة تحليل الدالّة ب متسلسلة قوى ( développement en série entière) مثل متسلسة تيلور. لا أدري إن كانت ترجمتي للمصطلح صحيحة.
هذه الطريقة تقول, إذا كانت لديك دالّة معقّدة و لم تستطع دراستها كليّا. إختر نقطة من نقاط رسم الدّالة و في جوار مناسب لهذه النقطة يمكن تشبيه رسم الدالة المعّقدة برسم كثيرة حدود Polynôme ( إعذروا ترجمتي) مع ترك هامش خطأ. على إعتبار أنّ دراسة كثير الحدود سهلة.
يعني أنّ طبيعة المادة المدروسة (الدّالة المعّقدة) ليست خطّية مثلا (على إعتبار أنّ أسهل كثيرات الحدود هيّ التّي يكون رسمها خطّ مستقيم) , هيّ دالة معقدة.
مالعمل؟
نقّطعها نقاطا نقاطا. نجاور كلّ نقطة. نحاول إيجاد كثير حدود مناسب في كلّ جوار. نترك هامشا يمكننا "التضحية به".
يوم كان المسلمون روّادا و يوم يعودون, إن شاء الله, لم يكن, و لن يكون, هذا أسلوب تفكيرهم. وآلنأخذ مثالا.
حساب المثلثي Trigonométrie أنتجها علماء الإسلام, هيّ دراسة من جوانبها المنحنيات و هيّ إلى الآن من أهمّ منابع البحث في الرياضيات (على سبيل المثال les ondelettes ). الدوال هنا منحنية (تفهمون قصدي آسف للترجمة) و ليست خطّية. لم يقل علماء الإسلام نجعلها خطّية بالقوّة و لو في جوار. بل قالوا طبيعتها كذلك, علينا أقلمة عقولنا مع الطبيعة و ليس التقوى على الطبيعة لأقلمتها مع ما هوّ ممكن لعقولنا. فأنتجوا الحساب ألمثلثي.
شكرا لكم.
¥