وروينا بالإسناد الصحيح عن السيد الجليل عون بن عبد الله بن عتبة مسعود الهذلي أحد أئمة التابعين زهدًا وورعًا وفقهًا وعملا، أنه كان يقول في بكائه وذِكْرِ خطيئته: (وَيْحِي بأي شئ لم أعص ربي؟ ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي، في كتاب كتبه كتاب لم يغيبوا عني، واسوأتاه لم أستحيهم ولم أراقب ربي، واسوأتاه، وَيْحي حفظوا ما ضيعت مني، ويحي طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني، ويحي طاوعتها فيما يضرها ويضرني، ويحها ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني؟ أريد إصلاحها وتريد أن تفسدني، ويحها إني لأنصفها وما تنصفني! أدعوها لأرشدها وتدعوني لتغويني! ويحها إنها لعدو لو أنزلتها تلك المنزلة مني، ويحها تريد اليوم أن ترديني وغدا تخاصمني، رب لا تسلطها على ذلك مني، رب إن نفسي لم ترحمني فارحمني، رب إني أعذرها ولا عذرتْني، إنه إنْ يك خيرا أخذلها وتخذلني، وإنْ يك شرا أحبها وتحبني، رب فعافني منها وعافها مني حتى لا أظلمها ولا تظلمني، وأصلحني لها وأصلحها لي فلا أهلكها ولا تهلكني، ولا تكلني إليها ولا تكلها إليَّ، ويحي كيف أفر من الموت وقد وكِّلَ بي، ويحي كيف أنساه ولا ينساني، ويحي إنه يقص أثري فان فررت لقيني وإنْ أقمت أدركني، ويحي هل عسى أن يكون قد أظلني فمسَّاني وصبَّحني، أو طرقني فبغتني، ويحي أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني ولا تسهر لي، ويحي كيف أنام على مثلها ليلي، ويحي هل ينام على مثلها مثلي، ويحي لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني، بل ويلي إنْ لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا توهن قوتي ولا تعطش هامتي، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا أنشط فيما يطفئها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي كيف تنكأ قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي إن لم يتم عفو ربي، ويحي لقد كان لي فيما استوعبت من لساني وسمعي وقلبي وبصري اشتغال فويل لي إن لم يرحمني ربي، ويحي إن حُجِبْتُ يوم القيامة عن ربي فلم يزكِّني ولم ينظر إلَّي ولم يكلمني، فاعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي أو وراء ظهري فيسود به وجهي، وتزْرَقَّ به مع العمى عيني، بل ويلي إن لم يرحمني ربي، ويحي بأي شيء أستقبل ربي؟ بلساني أم بيدي؟ أم بسمعي؟ أم بقلبي؟ أم ببصري؟ ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي، فويل لي إن لم يرحمني ربي، كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني، ويحك يا نفسي مالك لا تنسين ما لا يُنْسى وقد أتيت ما لا يُؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى، في كتاب لا يبيد ولا يبلى، ويحك لا تخافين أن تجزى فيمن يجزى يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى، يا نفس ويحك ألا تستفيقين مما أنت فيه؟ إنْ سقمتِ تندمين، وإن صَحِحْتِ تأثمين، مالك إن افتقرت تحزنين؟ وإن استغنيت تُفْتنين، مالك إن نشطتِ تزهدين، فلم إنْ دٌعيت تكسلين؟ أراكِ ترغبين قبل أن تنصبي فلم لا تنصبين فيما ترغبين؟ يا نفس ويحك لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين وتعملين فيها عمل الراغبين؟ ويحك لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة؟ لم لا تصنعين؟ يا نفس ويحك أترجين أن ترضي ولا تراضين؟ وتجانبين وتعصين؟ مالكِ إنْ سألت تكثرين؟ فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة ولم تحذرين بتغير الزيادة ولم تشكرين، تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين، تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل، لا تكوني كمن يقال هو في القول مُدِلٌّ، ويستصعب عليه الفعل، بعض بني آدم إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن إفتقر حزن، وإن استغنى فُتِن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل، يرغب قبل أن ينصب ولا ينصب فيما يرغب، يقول قول الزاهد ولا يعمل عمل الراغب، يكره الموت لما لا يدع ويحب الحياة لما لا يصنع، إن سأل أكثر، وإن أنفق قَتَر، يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر، يبلغ في الرغبة حين يسأل ويقصر في الرغبة حين يعمل، يرجو الأجر بغير عمل، ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا، ويح لنا لأي
¥