هذا المشهد بسياقه ـ الذي يجب ألاَّ يفهم كلام الجاحظ مقصوماً عنه ـ يهدي إلى أن أبا عثمان الجاحظ إنما أنكر على أبي عمرو استحسانه هذين البيتين لمعناهما، ومعناهما وإن كان في منطق الفضل صحيحاً غير منقوض، لكنه ليس هو بالمعنى الذي أنت غير واجده إلا في الشعر، هو معنى قائم حاضر في غير الشعر، ليس له خصوصية بفن الشعر حتى يحفظ هذا الشعر ويقيد من أجله، فإنه إذا ما ضاع منك الشعر فلن يضيع منك ذلك المعنى الذي أنت مقيد الشعر من أجله، إنه معنى مطروح في الطريق، بخلاف ما أنت واجده في مثل قول عنترة:
وخلا الذباب بها، فليس ببارح غرداً كفعل الشارب المترنّم
هزجاً يحك ذراعه بذراعه قدح المكب على الزناد الأجذم
فإنك إن لم تقيده لم تجده في غيره، فهو معنى مختص بمثل هذا لا تجده في غير فن الشعر، بل لا تجده إلا في هذا الذي قاله عنترة.
فقول الجاحظ "إنما المعاني مطروحة في الطريق" يحسن ألاَّ تحمل "اللام" في "المعاني" على الاستغراق فتشمل كافة المعاني، فهذه لا يقولها طالب علم، بله الجاحظ، ولاسيما أنه قد جاء على لسانه ما يؤذن بعنايته بالمعنى الشعري، أعني المعنى الذي أنت غير آخذه إلا من الشعر، تراه يقول: ((إنّ المتكلم لا يكون بليغاً حتى يعطي اللفظ حقه في البيان، ويحقق اللفظ من المعنى، ويضع جميعها مواضعها)).
ومن أهل العلم من يذهب إلى أن المعاني المطروحة هي المعاني الكلية أو الأغراض العامة، ومنهم من يذهب إلى أنها المعاني الخاصة غير المصورة.
ونجد عبد القاهر في معرض نقضه استدلال اللفظيين بوصف أهل العلم اللفظ بصفات البلاغة يقول: ((… ولما أقروا هذا في نفوسهم حملوا كلام العلماء في كل ما نسبوا فيه الفضيلة إلى "اللفظ" على ظاهره، وأبوا أن ينظروا في الأوصاف التي أتبعوها نسبتهم الفضيلةَ إلى "اللفظ" مثل قولهم: "لفظ متمكن غير قلق، ولا نابٍ به موضعه" … فيعلموا أنهم لم يوجبوا للفظ ما أوجبوه من الفضيلة، وهم يعنون نطق اللسان وأجراس الحروف، ولكن جعلوا كالمواضعة فيما بينهم أن يقولوا "اللفظ"، وهم يريدون الصورة التي تحدث في المعنى، والخاصةَ التي حدثت فيه، ويعنون الذي عناه الجاحظ حيث قال: "وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة وسط الطريق، يعرفها العربي والعجمي والحضري والبدويّ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير". وما يعنونه إذا قالوا: "إنه يأخذ الحديث فيشنِّفه ويقرِّطه، ويأخذ المعنى خَرَزَة فيرده جوهرة، وعَباءة فيجعله ديباجة، ويأخذه عاطلاً فيرده حالياً")) (). فهذا دال على أن المعنى المطروح هو غير مصور، فكل معنى لا يتولد من الصياغة والتصوير الشعري هو معنى مطروح في الطريق تجده في غير الشعر.
الجاحظ لا يستهين بالمعاني من حيث هي، ولكنه لا يرى أن يستحسن الشعر لمعنى ليس خاصاً به، أي: معنى يمكن أن يكون في غيره، إنَّه يجلُّ الشعر عن أن يشارك غيره في العناية بما يقوم به غيره، فإذا ما رأيت شعراً لا يُستحسن إلا لمعنى، ورأيت ذلك المعنى يكون في غير الشعر فلا قيمة لذلك الاستحسان. فالاستحسان لشعر من أجل معناه الذي لا يتولد إلا من رحِمه، فذلك هو الاستحسان الذي يعتد به وبمن صدر عنه.
القضية أن الجاحظ يأبى علينا أن نستحسن شيئاً لأمر ليس هو خاص به، فمناط استحسان كل شيء إنما ما كان به خاصاً، أما ما شاركه فيه غيره، واستُحْسِنَ من أجله فذلك قبح في الاستحسان، وإن كان الذي استحسنته في ذلك الشيء هو في نفسه حسناً.
أيمكن لأحد أن يصم الجاحظ بأنه يهمل المعنى وأنه زعيم مدرسة اللفظيين ()، وهو الذي يؤذن فينا بقوله: ((إذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع، بعيداً من الاستكراه، ومنزّهاً عن الاختلال، مصوناً عن التكليف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة)) ().
ألا تسمعه وقد جعل من روافد الاستحسان شرف المعنى، وشرف المعنى يعني به بلوغ المعنى ذروته في بابه، أي ليس مما هو في الدرك الأسفل أو الذي على طرف التمام، وكل معنى من المعاني، منه ما هو شريف عزيز لا يُنال من كل طامع، ومنه ما هو دانٍ قريب. فالشرف هنا هو علو منزلة في جنسه، وليس لأنه من جنس ما من المعاني، وهو شرف منزلة لا شرف جنس ونوع، فالذين يحسبون أنَّ النقاد حين يقولون بالمعاني الشريفة يريدون بها ما كان من معاني ذوي الحسب والمكانة من أهل البيان العالي، لم يكن حسبانهم مصيباً. المعاني الشريفة هي ما قابل المعاني الدانية القريبة، وهي في باب معاني الشعر: المعاني الجمهورية التي تلامسها أنامل العامة والدهماء، وتعيث بها عقولهم. المعنى الذي تجده في بيتي عنترة اللذين سبق إيرادهما هو معنى جد شريف؛ لعلو منزلته، وبعده عن أنامل العامة وعقولهم إبداعاً وفقهاً.
ـ[سوركو]ــــــــ[14 - May-2010, مساء 11:36]ـ
وصية طبيب لابنه
ابن الصائغ العنتري
أقلل نكاحك ما استطعت، فإنه ماء الحياة يراق في الأرحام
واجعل طعامك كل يوم مرة واحذر طعاما قبل هضم طعام
إياك تلزم أكل شيء واحد فتقود طبعك للأذى بزمام
إن الحمى عون الطبيعة مسعد شاف من الأمراض والآلام
قدم على طب المريض عناية في حفظ قوته مع الأيام
بالشبه تحفظ صحة موجودة والضد فيه شفاء كل سقام
لا تحقر المرض اليسير، فإنه كالنار يصبح، وهي ذات ضرام
والطب جملته إذا حققته حل، وعقد طبيعة الأجسام
ولعقل تدبير المزاج فضيلة يشفى المريض بها وبالأوهام
¥