فالطريق جامع بين عنصري الكلام (الدال، والمدلول)؛ فالمدلول/ المعنى له طريق يأتيه البليغ منه {وأتوا البيوت من أبوابها}، وكأنّ الإمام يشير إلى أن ثقافة البليغ بكثرة الرواية والتبصر لطرائق الأئمة في الإبداع إلى معانيهم، والوقوف على مذاهبهم إلى مراداتهم هو المهيع الملحب إلى الوصول إلى المعنى، الذي يراد تصويره وتوصيله، ولولا سلوك تلك المذاهب المطرفة من الأئمة المبدعين، لما تحقق بين الأديب والمتلقي تواصل ولما أمكن المتلقي أن يستدل بملفوظ الأديب على مكنونه.

والدال/ اللفظ لا بد أن يتم اختياره على أسس خمسة:

• أن يكون أخصّ بمعناه، فليس هنالك لفظ يقوم مقام لفظ آخر هو به أخص، فالبيان الأدبي لا يعرف الترادف، بل ولا يعرف التواطؤ.

• وأن يكون اللفظ أكشف عن معناه، بحيث لا يستبقي من خبيات معناه مالا يمكن للأشعة أن تبلغه.

• وأن يكون اللفظ أتم للمعنى بحيث يحيط بكل دقائقه ورقائقه وشوارده وأوابده، فلا يحتاج الأديب إلى غير اللفظ يتمم به معناه من عجز في اللفظ الذي اختار، ومن ثم فليس كل لفظ بالقدير على الإيفاء بحق المعنى المراد.

• وأن يكون اللفظ أحرى بأن يكسب المعنى نبلاً لا يكون له إذا لم يكن هو المعبر عنه، والدال عليه، فكأن في بعض الألفاظ من العطاء الزائد للمعاني ما ليس لبعضها، إما بجرسها أو صيغتها أو موقعها.

• وأن يكون اللفظ أحرى بأن يُظهر في المعنى مزية خبيئة لا تظهر بغيره.

وكأن الأساس الخامس (يظهر فيه مزية) متجاوب مع الأساس الثاني (وأكشف له)، والأساس الرابع: (أن يكسبه نبلاً) متجاوب مع الأساس الثالث (وأتم له) ().

وهنا يقذف السؤال: أيّ العنصرين مناط بلاغة الخطاب؟ لفظه أم معناه؟ وهذا ما كان مطروحاً عند بعض النقاد بقضية اللفظ والمعنى إلى أيهما تكون الف

قضية اللفظ والمعنى:

تعد قضية اللفظ والمعنى وأيهما مناط الفضيلة والعلاقة بينهما في الإبداع الأدبي من أكثر القضايا حضوراً في نقدنا العربي قديماً وحديثاً، ولم يلتق النقاد الأقدمون والمحدثون على نحو واحد فيها على الرغم من احتدام الحوار حولها.

والعثور على الكلمة الأولى التي ألقيت في تربة هذه القضية وأنبتت تلك الشجرة المعمرة عسيراً أمره، فليس بملكي أن أحدد صاحب الكلمة الأولى فيها، ولكنك تجد مقالات لنقاد في عصور سابقة.

ولعلها ظهرت وأسفرت في أوائل عصر التدوين في القرن الثاني الهجري حيث ترى العتابي: كلثوم بن عمرو (ت: 208هـ) يذهب إلى أن اللفظ جسم وروحه المعنى، وجاء مثل هذا عمن يعرف بإخوان الصفا في رسائلهم (3/ 109) ولا نعرف زمان ظهورهم. وقد أخذ بما جاء عن العتابي جماعة من النقاد، ورددوا عبارته، على نحو ما نراه عند العسكري في "الصناعتين"، وابن رشيق في "العمدة".

وإذا ما جئنا إلى علم من أعلام هذه القضية: أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (159 - 255 هـ) وكان عصريّ العتابي، ونقل عنه بعض آرائه، فإننا نجد الجاحظ يروي مشهداً رآه يوم الجمعة في المسجد، رأى أبا عمرو الشيباني الراوية قد سمع قول الشاعر:

لا تحسبنّ الموت موت البلى فإنما الموت سؤال الرجال

كلاهما موت ولكنَّ ذا أشدُّ من ذاك على كل حال

فاستجادهما أبو عمرو، وبلغ من استجادتهما ـ وهو الراوية ـ أنْ كلف رجلاً حتى أحضر قرطاساً ودواة فكتبهما.

يقول الجاحظ معلِّقاً على صنيع أبي عمرو وما أثار عنايته ورغبته في الحفظ والتذكر: ((وأنا أزعم أنَّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً، ولولا أن أدخل في الحكومة بعض (الغيب/ الفتك/ العيب) لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أبداً)) ().

وفي موطن آخر يقول: ((وربما خيل إليَّ أنَّ أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبداً أن يقولوا شعراً جيداً؛ لما كان أعراقهم من أولئك الأباء)) ().

ثم ذهب يقول: ((وذهب الشيخ (أي: أبو عمرو الشيباني) إلى استحسان المعاني (أي: التي في هذين البيتين). والمعاني (أي: التي من هذا القبيل) مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير)).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015