[من فوائد تذكر الموت تنبيه عبيد الدنيا إلى قبيح صنيعهم]
وقبل الكلام عن هذه الفائدة لا بد أن نعرف ما هو المقصود بعبادة الدنيا …
وعبادة الدنيا تعني:
أن يعيش الإنسان ليأكل وليشرب ولينام وليقضي هواته ويلبي نزواته … عبادة الدنيا أن تعيش للدنيا وحسب دون أن يكون للآخرة أي نصيب في جدول أعمالك الحياتية.
إن للموت رسائل ومن رسائله رسالة إلى عبيد الدنيا يقول فيها:
"لا تعبدوا ما يترككم ويفارقكم واعبدوا الباقي الذي لا يترككم ولا يفارقكم."
قال الله تعالى:
{كلُُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن]
ولقد دعا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتعاسة على من جعل الدنيا هدفه وهمه وغايته دون الدين ….
أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ."
ومن صور عبادة الدنيا أن تقدم حبها وحب ما فيها على حب الله وما يحب منك الله تعالى أن تفعله ….
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)} [التوبة]
وقال أيضا:
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)} [آل عمران]
[من فوائد تذكر الموت أن يزهد الإنسان في الدنيا]
وبادئ ذي بدء أود أن نتعرف على مفهوم الزهد في الدنيا …
والزهد في الدنيا يعني:
"أن تستعمل الدنيا في تحصيل الدرجات العلى في الآخرة."
أو هو بمعنى:
أن لا يكون في قلبك إلا الآخرة وما يحبه الله وأن تكون الدنيا في يدك فتخدم بما في يدك ما في قلبك.
أو هو بمعنى:
ترك ما من الممكن أن يضر الإنسان في الآخرة من ملذات الدنيا.
قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ:
"من أكثر ذكر الموت هانت عليه الدنيا."
ولا يمكننا أن نسمي إنسانا بأنه زاهد في الدنيا حتى يقدم نفسه وما معه من مال لله رب العالمين طمعا في رضاه وثوابه وأجره …
قال الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} [التوبة]
ولا غرابة في ذلك فإن الله ما خلق المال إلا ليستخدمه الصالحون في تعمير الأرض وإصلاحها …
أخرج أحمد في مسنده من حديث عمرو بن العاص يقول:
¥