ولا شك أن مناسبة الحديث للترجمة مناسبة دقيقة وخفية يعز على أكثر فحول الرجال إدراكها وإستحضارها. ولهذا ترك الحافظ - رحمه الله - الكلام على الحديث في موضعه الذي هو الظاهر الجلي كما هي عادته فإنه لا يفصل الكلام على حديث من الأحاديث إلا في موضعه الظاهر لطالب العلم.

قال - رحمه الله -: [50] وسيأتي الكلام عليه في الدعوات [51].

مثال آخر: وهو ما جاء في الجامع الصحيح قال البخاري - رضي الله عنه -: باب: "اثنان فما فوقهما جماعة".

حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا خالد عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"إذ حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما" [52].

قلت: ومناسبة الحديث للترجمة مناسبة خفية بل إنها تكاد لا تظهر إلا بعد قوة تدبر وتأمل لأن ما في الترجمة ليس في المترجم. ولهذا عاب بعضهم البخاري في وضعه هذا الحديث تحت هذه الترجمة وظنوا أنه لا يدل عليها.

قال الحافظ - رحمه الله -: والجواب أن ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة لأنه لو استوت صلاتهما معا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصلاة كأن يقول: أذنا وأقيما وصليا [53].

الثاني: الجلية وهي الظاهرة التي لا تحتاج إلى كثير تدبر وتأمل وإنما هي الظاهر المنقدح في الذهن مباشرة وهو أيضاً موجودة في صحيح البخاري - رحمه الله.

مثال ذلك: ما جاء في الجامع الصحيح قال البخاري - رحمه الله -: باب "تفاضل أهل الإيمان في الأعمال".

وذكر تحته حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون في نهر الحياء أو الحياة - شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) [54].

قال العيني - رحمه الله -: مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهي أن المذكور فيه هو أن القليل جداً من الإيمان يخرج صاحبه من النار والتفاوت في شيء فيه القلة والكثرة ظاهر وهو عين التفاضل [55].

قلت: ولهذا قال الحافظ رحمه الله: ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر [56]

والمقصود: مطابقة الترجمة للمترجم من النصوص وهي نوعان:

الأول: المطابقة الكلية وهي: التي تكون الترجمة فيها مطابقة للمترجم مطابقة تامة من كل وجه فكل ما دل المترجم عليه فهو وارد في الترجمة.

مثال ذلك: ما جاء في الصحيح قال البخاري - رحمه الله -:

باب: "من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعن حسين المعلم قال حدثنا قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) [57].

فأنت ترى أن هذا الحديث مطابقة مطابقة تامة للترجمة بل إن الترجمة ألفاظ مختصرة من نص الحديث وهذا واضح بحمد الله.

ومثال آخر: وهو ما جاء في الصحيح قال البخاري رحمه الله:

باب: "الإيجاز في الصلاة وإكمالها".

حدثنا أبو معمر قال حدثنا عبد الوارث قال حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوجز الصلاة ويكملها" [58].

وهذا الحديث هو الآخر مطابق للترجمة مطابقة كلية فإن كل ما دل عليه الحديث من المعاني قائم في الترجمة والله المستعان.

الثاني: المطابقة الجزئية وهي التي تكون الترجمة فيها مطابقة للمترجم مطابقة ناقصة فليس كل ما دل عليه المترجم وارداً في الترجمة بل إن الترجمة دالة على جزء من المترجم فقط.

مثال ذلك: ما جاء في الصحيح قال البخاري رحمه الله:

باب: "من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان":

حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار)) [59].

قال العيني رحمه الله: مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لأن الحديث مشتمل على ثلاثة أشياء وفيما مضى بوبه على جزء منه وههنا بوب على جزء آخر." [60].

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015