وأما مثال الترجمة التي لم يرد تحتها حديث مسند وهي من هذا النوع ما رواه البخاري في صحيحه قال:
باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} فبدأ بالعلم وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم. من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وقال جل ذكره: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ}، و {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيرا يفقهه)). وإنما العلم بالتعلم. وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه – وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تجيزوا على لأنفذتها، وقال ابن عباس: كونوا ربانيين حكماء فقهاء ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره [39].
قلت: وهذه الآيات والأحاديث المعلقة والآثار كلها مترجم لها وهي في الأمر نفسه مترجم بها وأيضاً بعضها مع بعض مترجم له مترجم به هذا من وجه وهذا من وجه.
وعلى كل حال فإن المتمعن في الجامع الصحيح للبخاري - رحمه الله - يعرف أن هذه المسألة مسألة نسبية لا يمكن الحكم فيها بحكم عام ومطلق على جميع التراجم فيه، فإن لكل ترجمة حالاً خاصة بها، ولكن المراد أنها لا يمكن أن تخرج عما فصلناه بحال والله أعلم.
وختاماً فهذه مقالة طيبة حول الآثار وما كان في حكمها في تراجم الجامع الصحيح للإمام البخاري، فقد قال الحافظ - رحمه الله - إنه: "عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب" [40].
"المترجم به"
الثالث: الترجمة وهي:
العنوان الذي يضعه المترجم للدلالة على معنى قائم بما تحته من نصل أو أكثر. ولفظ الترجمة نوعان:
1 - ما يكون نصاً وهو إما آية أو حديث على شرطه، أو حديث ليس على شرطه، أو أثر صحابي.
2 - ما يكون استنباطاً: وهو ما ليس من قبيل النوع الأول بل من كلام الإمام البخاري رحمه الله.
النوع الأول الآية:
باب قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [41].
2 - حديث على شرطه:
عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" [42].
3 - حديث ليس على شرطه:
أخرج ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" [43].
وترجم بقوله "باب فضل القرآن على سائل الكلام" كتاب فضائل القرآن 9/ 66 [44]
4 - أثر صحابي:
فسر ابن عباس قوله تعالى {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} قال دعاؤكم إيمانكم. ترجم البخاري "باب دعاؤكم إيمانكم" [45]
"شرط صحة الترجمة"
ولا شك أن أركان الترجمة الثلاثة قد تكون قائمة في حقيقة الأمر، ولكنها لا تصح بحال حتى تستوفي شرطاً واحداً وهو ما يسميه أهل الاصطلاح:
المناسبة وهي: العلاقة المعنوية التي تربط بين الترجمة والمترجم له. وبعد البحث والتأمل والاستقراء يمكن أن نقول إنها تنقسم إلى جهتين وكل جهة تشمل نوعين:
الجهة الأولى:
جهة إدراكها وهي نوعان أيضاً:
الأول: الخفية وهي: التي تحتاج إلى قوة علمية ودقة فكرية وتوقد ذهني حاضر.
ويعز على الأكثرين ملكها، وهي مما امتلأ به صحيح البخاري - رحمه الله - وتميز به عن غيره من سائر المصنفات الحديثية [46] ولهذا اتهمه بعضهم لما عزَّ عليهم إدراك كثير من مناسبات تراجمه للأحاديث [47].
ومثال ذلك: ما جاء في الجامع الصحيح: قال البخاري رحمه الله: باب: "ما جاء في التطوع مثنى مثنى".
وذكر تحته حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في الإستخارة وفيه جاء: ((إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ... الحديث)) [48].
ومراده بهذا الرد على أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهم الله - القائلين بأن التطوع في النهار يكون أربعا موصولة [49].
¥