- ربط الرأي بالعقيدة، وكأنه جزءٌ منها؛ الأمر الذي يجعل التخليَ عن الرأي تخلِّياً عن عقيدةٍ إيمانيةٍ، وهو أمرٌ محرَّمٌ يستحيل قبوله عند صاحبِ العقيدة الصادقة، وكذلك فإن هذا الربط سيكشف عن مدى مصداقيةِ صاحبهِ، ومدى استعدادهِ للذودِ عنهُ بلسانهِ ويده؛ الأمر الذي يذكرنا بنشرِ الدينِ الإسلاميِّ الذي بدأ نشرُهُ بالكلمةِ سراً فجهراً؛ ثم بقوة جيوش المسلمين التي خرجت لتنشر سماحةَ تعاليمه التي أمر الله I بنشرها رحمةً للعالمين" وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين".
وكما هو واضحٌ فإن الشاعر لا يكتفي بهذا الربط بين الرأي والعقيدة وبيان حاجتهما إلى الكلمة والفعل بل نراه يكاد يحصر الحياةَ في متطلبات نشرهما، وذلك حين قال:" إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ"، وهو قولٌ ختمَ به البيت، وإنَّ ما يؤكدُ هذا الحصرَ تصديره لهذا الشطرِ من البيت، بل عجُزِ البيت بالحرف" إنَّ"، وهو حرف يفيد التوكيد.
وبالجملةِ فإنَّ هذا العَجُزَ يشكِّلُ توكيداً لسابقه: فالرأيُ الذي طالب الشاعر في صدر البيت بالثباتِ عليه هو جزءٌ من هذه العقيدة التي أشار إليها في عَجُزه، وجعلها أحد شقي الحياة، والمجاهرةِ بإذاعةِ الرأيِ أو المجاهدة لتحقيقه هو الجهادُ شِق الحياةِ الآخَر.
وعلى هذا فإن مِصراعي البيت يتظافران لتحقيق المعنى الذي أراد الشاعر التعبيرَ عنه، وهو أنَّ على صاحب الرأيِ أن يَجِدَّ بلا مَلَلٍ في سبيل إذاعةِ رأيهِ وتوصيله للآخرين سواء بالكلمة الواضحةِ أو الفعل المجاهد.
ولله در المتنبي حين قال: (بحر الوافر)
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ
فَإِذا هُما اِجتَمَعا لِنَفسٍ مِرَّةٍ
هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
بَلَغَت مِنَ العَلياءِ كُلَّ مَكانِ
([1]) نسب أبو حيان التوحيدي في كتابه" البصائر والذخائر" هذا البيت وقبله بيتٌ آخَر إلى رجلٍ يُسمّى أبو محلم، ونسبه أكثرهم إلى أعرابيٍّ لم يُذكَرْ اسمه، قال الأعرابي: (الوافر)
غلامُ وَغىً تَقَحَّمها فأَبْلَى
فَكانَ على الفتى الإقدامُ فيها
فخان بلاءَهُ الزّمنُ الخَؤُون
وليسَ عليهِ ما جَنَتِ المَنونُ
وهناك من رواه (دهرٌ خؤونُ) و (الدهرُ الخؤون)، (وكان) بلداً من (فكان)، وذكروا أنَّ أبا تمامٍ أخذَ منهما معنى بيتيه: (الطويل)
وركْبٍ كأَطْرافِ الأسِنَّةِ عَرَّسُوا
لأَمْرٍ عَليْهِمْ أنْ تَتِمَّ صُدُورُهُ
عَلَى مِثْلِها والّليْلُ تسطو غَياهِبُهْ
ولَيْسَ عليِهِمْ أنْ تَتِمَّ عَوَاقِبُهْ