ـ[صادق عبدالله أبو سليمان]ــــــــ[16 - Jan-2010, مساء 08:20]ـ
إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً
بقلم
أ. د. صادق عبد الله أبو سليمان
أستاذ العلوم اللغوية / جامعة الأزهر بغزة
عضو مجمع اللغة العربية المراسل/ القاهرة
عضو اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية
قال الشاعر:
قفْ دُونَ رأيكَ في الحياةِ مُجاهداً
إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ
لا أدري لماذا عندما أقرأ هذا البيتَ يخطر ببالي بيت أمير الشعراء أحمد شوقي:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له:
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ
فهل لأنهما متفقانِ في وزنهِما؛ فهما من بحرٍ واحدٍ هو: بحر الكامل، أم لأنهما يعبِّران عن هوانِ الحياةِ على المرءِ حين تتعارضُ ورغباتِهِ فيها، فَكِلا البيتينِ- فيما أُحِسُّ- يَصْدُرُ عن عاطفةٍ واحدةٍ تنبعُ من إحساسِ صاحبِها برغبةٍ جامحةٍ في تحقيقِ أمرٍ مُعَيَّنٍ يتطلبُ التضحيةَ التي قد تكلِّفهُ المشقةَ؛ الأمر الذي يُؤَثرُ- لا محالةَ- في مجْرَياتِ حياتِهِ فيُخرِجها عن مَسارها الطبيعي، وقد يَقْلِبُها رأساً على عقب.
وفيما أُحِسُّ أيضاً فإنَّ كِلا البيتينِ يعبِّرُ عن غريزةِ الامتلاكِ التي تتطلبُ البَذلَ والتّضحية؛ وحقيقةٍ مضمونُها أنَّ حياةَ الإنسانِ مادامَ أمرُ استمرارِها ليسَ بأيدي مخلوقٍ- كائنٍ من كان- فإنَّ السعيَ لتحقيقِ المرادِ ينبغي ألا يُتَراجَعَ عنهُ أيّاً كانت الأخطارُ المُحيطةُ بتحقيقه؛ الأمرُ الذي يذكِّرنا بقولِ شاعرِنا الجاهلي الحكيم ([1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=10#_ftn1)):
وكانَ على الفتى الإقدامُ فيها
وليسَ عليهِ ما جَنَتِ المَنونُ
ج
تحليل البيت:
إن المتأملَ في معاني هذا البيتِ- الذي تصدَّرت به مقالتنا- يلحظُ أنه يأتي في مقامِ الحِكَمِ التي تُستخْلَصُ معانيها من تجاربِ السابقين، وحكمةِ الشيوخِ المُحنَّكينَ، ولسانِ المُفَوَّهينَ البلغاء؛ فهو يَحْمِلُ في طَيّاتِهِ معانيَ الإصرارِ على الآراءِ والمواقفِ التي يؤمنُ بها الأفراد، وتتطلَّبُ منهم الكفاحَ بالكلمةِ والفعلِ لتحقيقها.
إن الإحساسَ بهذه المعاني تأتي من كلمتي: (رأيك- جهاد) وغيرهما من الكلمات أو التراكيب التي أُلْهِمَها الشاعر؛ فاستعمالُ الشاعرِ لفعلِ الأمرِ (قف) يعبِّرُ عن حثِّهِ لصاحبِ الرَّأيِ للوقوفِ ثابتاً صلباً في الدفاعِ عن رأيهِ، وألا يلتفتَ إلى ما يمكن أنْ يلاقيَهُ من مصاعبَ معرقلةٍ، أو يصيبَهُ من أذى في سبيلِ تحقيقه، وإن استعمال الشاعر لكلمة (مجاهدا) يُعززُ حَثَّهُ لصاحبِ الرأيِ وتوجيهَهُ إلى ضرورةِ الثَّباتِ عليهِ، والجهادِ في سبيلِ نشرهِ بين الناس، مهما كَلَّفه ذلك من تضحيات.
ولست أرى في هذا المقامِ ما يمنعُ من استعمال الشاعر لكلمة (مجاهرا)؛ لأنها توضحُ أن على صاحب الرأي أنْ يجهرَ- دونَ خوفٍ- بأعلى صوتهِ في الإعلانِ عن رأيه الذي يؤمن به، ويأتي استعمالُهُ لكلمة (عقيدة) التي عطفَت عليها بالواو كلمةُ (جهاد)؛ ربطاً للدينِ في هذه المسألة، وتعزيزاً لترابطِ الكلمةِ والفعلِ ودورهما الفعّالِ في نشر المبادئ والآراء؛ الأمر الذي قد يذكّرنا بالحديث النبوي الشريف:" من رأى منكم منكراً فلْيغيره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان".
وكذلك نرى أن الشاعرَ كان موفّقاً في استعماله لظرف المكان (دون)، الذي نستشفُّ منهُ كيف أنه يعْلي مكانة الكلمة، وأنَّ على صاحبها أن يجعلَها مقدَّمةً على كلِّ شيءٍ عنده؛ فكلُّ شيءٍ يهون في سبيلِ تحقيقِ أهدافها؛ فالكلمةُ هي الأعلى، ودونَها كل شيء؛ الأمر الذي يكشف لنا عن حماسةِ الشاعر للتعبيرِ عن الرأي، أو ما يسمى اليوم بحرية الرأي.
وهكذا فإن هذا البيتَ الحكيمَ يحملُ في شطريهِ مجموعةً من الحقائقِ والقيمِ التي نلمسها في كثيرٍ من مواقف الحياة، وتدللُ على أهمية الكلمةِ المنافحةِ عن الحقِّ في التعبيرِ عما يلي:
- قوة شخصية صاحب الكلمةِ الحرة وجرأته ورجاحة فكره.
- ربط تأثير الكلمة بالمجاهرة في جميع المواقع.
- تفعيلُ دور تأثير الكلمة بالفعل؛ أي بالقوة في حالةِ عدم الاستجابة.
¥