الذي يعجبني في شيخنا الفاضل هو تمسكه بالمذهب المالكي عقيدة وفروعا، فهو سلفي العقيدة خلافا لجدودنا الذين جعلوا دينهم ـ منذ عهد الدولة الموحدية ـ مبنيا على أصول ثلاثة: العقيدة الأشعرية والفقه المالكي والتصوف السني، فاخترعوا لأنفسهم هذا التمذهب المبعض كما قال ابن عاشر في المرشد المعين:

في عقد الأشعري وفقه مالك ...... وفي طريقة الجنيد السالك

وقد درسنا على شيخنا عقيدة الإمام مالك السلفية، وكان حفظه الله يقول لنا بصريح العبارة" أنا أقول العقيدة السلفية ولا أقول عقيدة أهل السنة، حتى نخرج الأشاعرة الذين يتسمون بهذا الاسم".

وهو شيخ وقور له هيبة في النفس وكلام نفيس، وصاحب طرفة في غالب مجالسه حفظه الله.

ومن نبذ كلامه التي لا زلت أحفظها منه:

ـ قوله بالمعنى: "بعض السوسيين وفقهائهم يصلون صلاة لو نظرت فيها وجدتها باطلة عند جميع المذاهب الأربعة، ذلك أن المالكية جعلوا الاطمئنان والاعتدال من الفرائض فترك واحد منهما يبطل الصلاة، والمذهب المتساهل في هذا الجانب هو المذهب الحنفي حيث جعل الاعتدال فرضا دون الاطمئنان. أما بعض أهل سوس فلا يأتون بالاعتدال ولا بالاطمئنان ولذلك قلت: إن صلاتهم باطلة عند جميع المذاهب".

قلت: وهذا من عمق فقهه ونظره حفظه الله.

ـ قوله: "التقيت مع الشيخ الألباني رحمه الله في مأدبة لما زار المغرب، فشرب أحد الحاضرين من كأس الماء، فأخذه الألباني وشرب ما تبقى فيه ثم قال ـ يعني الألباني ـ: لم أشرب بقية الماء لأني أصحح حديث" سؤر المؤمن شفاء" ولكن شربت تواضعا"

قلت: وهذا من عجائب حرص الشيخ الألباني على تنبيه الناس إلى التمحيص في الاستدلال بالأحاديث.

ـ ومن جميل أقواله: "التمسك بالسنة مع بعض التشدد يساوي مذهب الخوارج".

وكان يردد كثيرا في دروسه قولة الإمام مالك الذهبية: "كان أهل بلدنا لا يحبون الكلام إلا فيما تحته عمل"

ومن طريف ما وقع لي مع فضيلته أنه مرة أمسك بيدي وقال بصوته الوقور: "إن كنتم لا تستفيدون منا شيئا فأخبرونا حتى لا نضيع أوقاتكم" أو كما قال، وهذا من تواضعه حفظه الله.

ومرة أخرى رآني في الساحة بعد انقضاء ندوة المناهج التي سبق أن تحدثت عنها، وكان حاضرا فيها واستمع إلى تدخلي وتعقيبي على الدكتور حيمود، وأعجبته الخاتمة التي ختمت بها حين قلت: " وأعتذر لأستاذي الكريم على هذه الملاحظات، فلست بها مدعيا علما ليس عنده، وإنما حالي كما قال ابن القيم حين سئل: لم تخالف شيخك ابن تيمية؟ فقال: مثلي ومثل ابن تيمية كمثل الهدهد مع سليمان قال له:"أحط بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبإ يقين""

فقال لي مناديا بصوت مرتفع: وا الهدهد وا الهدهد" ـ كذا باللفظ الدارج ـ فلما جئته وسلمت عليه قال لي بصوت هادئ: "ها الهدهد كاين أوخصنا سليمان" بمعنى: أن الهدهد موجود لكننا نفتقد سليمان، ففرحت كثيرا لكلامه، وعلمت منه إعجابه بتدخلي، والحمد لله وحده.

مع العلامة مولاي الحسين ألحيان

أما شيخنا العلامة مولاي الحسين ألحيان فالكلام عنه ذو شجون، فهو أصولي متمكن، وصاحب أخلاق عالية جدا، مع جد في العمل قل نظيره.

وكان أشد ما يبغضه ويغضبه أن يرى طالبا يتكلم مع جليسه، أو لا يبالي بالدرس.

درسنا مادة الأصول، في شقها المتعلق بالدلالات، وقبلها مادة تاريخ التشريع، وكانت دروسه من أرسخ الدروس في ذهني وأكثره إفادة.

ومن مواقفه التي تسجل له حفظه الله أن أحد الطلبة من الذين جبلوا على الخلاف والتشنيع على العلماء والرفع من شأن السفهاء، طلب مداخلة ـ وكنا نتحدث عن الإجماع ـ فقال: " هناك بعد العلماء يدعي استحالة وقوع الإجماع ومنهم الناطق الرسمي باسم السلفية ـ كذا قال حرفيا ـ الألباني ... " ثم بدأ يطعن في الشيخ بأسلوب سخيف

فقاطعه الأستاذ ورد عليه طعنه ودافع عن العلامة الألباني فكان مما قال: "من قال لك إن الشيخ الألباني هو الناطق الرسمي باسم السلفية .... الألباني خدم الحديث خدمة جليلة وبين الضعيف من الصحيح، وتصحيحه وتضعيفه ليس من عنده حتى يلام، فهو يذكر بعد كل حديث من خرجه وعلته ... " أو كما قال حفظه الله.

وهو الذي أشرف على إجازتي التي سجلتها تحت عنوان: "تحفة القضاة في بعض مسائل الرعاة لأبي العباس الملوي التازي نسخ وتقديم وتعليق"

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015