المقامة الشمرارية

ـ[عبد السلام أيت باخة]ــــــــ[08 - Jan-2010, صباحاً 04:35]ـ

المقامة الشمرارية [1] ( http://majles.alukah.net/newthread.php?do=newthread&f=4#_ftn1)

بقلم: ذ. عبد السلام أيت باخة

حدثنا عبد السلام العلزمي قال: لما كنت ببلاد ادويران، أدرس في مدرستي مع الأقران، حبب إلي الأدب مع الأشعار، فكنت أكتب بلا أسوار، طالقا قلمي لمنادمة الأسحار ...

ولما وصلت إلى الإعدادية والثانوية، تاق يراعي لمنادمة الشاعرية، فنسجت شعرا بمقدمات طللية، على عادة شعراء الإسلام والجاهلية ...

ثم أتت مرحلة الجامعة، مرحلة الجد والبحوث الماتعة، ومرتع الإبداعات والجهود اليافعة، فتَخِذْتُ بها صحبا اتخذوا الأدب دثارا، والمرح حوارا، وزُبد الفوائد مزارا، فكنا نقضي الأيام والليالي، في ذكر الأحاديث والأمالي، همنا النقاش والمذاكرة، في كل فن مع المسامرة، ثم مرت تلكم الأيام، كأنها طيف من الأحلام ...

وشاء الله أن ألج وظيفة التدريس، فجاء دور البناء والتأسيس، فرحلت إلى أسفي للتكوين، حاملا معي هاجس التعيين، كغيري من الأساتذة الخريجين.

وبعد ظهور نتائج الامتحان، كنت الأول بين الأقران، فحمدت الله الكريم المنان، ثم عينت في "شيشاوة" الشهيرة الشان .... حتى أدتني خاتمة المطاف، وهدتني فاتحة الألطاف، إلى مؤسسة بدوية نائية، جديدة العهد في تلك الناحية، تدعى ثانوية ابن بطوطة الإعدادية.

رحلت إليها وكلي أمل وهمة، أن أجد مستوى في غاية القمة، لأصل السالف بالحاضر، وأتمتع باستحضار ذكريات الماضي الغابر ... تمنيت أن أجد تلاميذ ذوي بَلاغة رائعة، وبديهة مطاوعة، وآدابٍ بارِعة، وقدَمٍ لأعْلامِ العلوم فارعة، حتى إذا تكلمت بلغتي، فهم عني الآخذون بغيتي، فتمتعت بما آنسه من طريقتي. سيما وأنا المحب للإشارات، مستغنيا بها عن واضح التقريعات ...

غير أني كنت في معتقدي كمثل قس بين العجم، وعلمت يقينا أن الجهل قد عم القوم وطم، فما أن وصلت إلى ذلكم المكان، حتى سمعت كلاما من بعض الصبيان، يقول لأقرانه من الخلان، لعله معلم التربية الإسلامية يا إخوان ...

كذا قال والكلام حرفي، فافهم فلست في الضبط كالصحفي ... فعقبت تلميذة أخرى، بكلام جعل المصيبة أعرى، حين قالت من سذاجتها، وتفوهت متعجبة بسجيتها: معلم يلبس الجلابة؟؟ هذه غرابة في غرابة؟؟ فقلت لنفسي: يا للعجب ويا لضيعة الأدب لقد استسمنت يا هذا ذا ورم، ونفخت في غير ضرم، وتوجست مما هجس في أفكارهِم، وفطنت لما بطن من استنكارِهم، وحاذرت أنْ يفرط إليهم الذم، أو يلحقهم عني وصم، فقرأت: (إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ).

ثم قلت لنفسي كأني أخاطبهم، وليتني كان باستطاعتي أن أجابههم: يا رواة التعجب، وأساة الاستكشاف والترقب، إن حقيقة الجوهر تظهر بالسبك، ويد الصناعة تصدع رداء الشك، وتذكرت قول الشاعر الأريب:

سيذكرني قومي إذا جدَّ جدّهم وفي اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر

وفي أول حصة أدرتها، رأيت عجائب أنكرتها، فطلقت الفصاحة مع البيان، بعد طول صحبة واقتران، وقنعت بالركاكة في المباني، وقبح البرودة في المعاني ...

أقول للتلميذ: تمرا فيقرؤها خمرا، وأعيدها خمرا فينطقها جمرا ... فعلمت أن فصاحتي ستذهب شبرا شبرا ... وصدق من قال في هذا الباب شعرا:

أقول له عمرا فيسمعه سعدا ويكتبه حمدا وينطقه زيدا

قلت مرة بكلام واضح جلي، اكتبوا النصوص في دفتر الدروس الأصلي، ولا تكتبوها في دفتر الإعداد القبلي، هل فهمتم أيها التلاميذ، فقالوا فهمنا يا أستاذ الأساتيذ، فقلت لأحدهم مختبرا وعيه لقولي، أين ستكتب ما نكتب ونملي، فقال طبعا في دفتر الإعداد القبلي، فصحت في وجهه يا ويلي، ما هذا الفهم المظلم الليلي؟؟ ألم تسمع يا ولدي كلامي، أم تعمد إلى (تمريضي) وإسقامي، فقال كلا يا أسوتي وإمامي، بل قصرت في نصحي وإفهامي ... فتذكرت للتو حينها، أبياتا جميلة أنسيتها، يقول فيها ناظمها:

شوقي يقول وما درى بمصيبتي قم للمعلم وفه التبجيلا

اقعد فديتك هل يكون مبجلاً من كان للنشء الصغار خليلا

ويكاد (يقلقني) الأمير بقوله كاد المعلم أن يكون رسولا

لو جرب التعليم شوقي ساعة لقضى الحياة شقاوة وخمولا

حسب المعلم غمةً وكآبةً مرآي (الدفاتر) بكرةً وأصيلا

مئةُ على مئةٍ إذا هي صلحت وجد العمى نحو العيون سبيلا

ولو أن في التصليح نفعاً يرتجى وأبيك لم أك بالعيون بخيلا

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015